قصة قصيرة

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

المشهد الأول : البلاغ

ارتفع رنين الهاتف ليشق سكون الليل في إحدي نقاط الشرطة بذلك الحي الراقي في أحد ضواحي مصر الجديدة ليغطي علي غطيط ذلك النوبتجي المكلف بالعمل في القسم لتلك الليله

حاول تجاهل رنين ذلك الهاتف لكنه الرنين تكرر لمرات و مرات اطلق سباباً ثم مد يده ورفع سماعة الهاتف

و علي الطرف الآخر أجابه صوت رجل ستيني قائلاً بثبات قسم الشرطة أود الإبلاغ عن جريمة قتل
ابتسم الضابط في سخرية
وأين تراها ستحصل تلك الجريمة

أجابه الرجل : اليوم في الخامسة فجراً و بدأ يصف للشرطي العنوان بدقة
تناول رجل الشرطة قلماً و أخذ يسجل البيانات في تراخي ثم سأل
و كيف عرفت عن هذه الجريمة

رد الرجل لأني أعرف من سيقوم بها قالها بقوة ثم استطرد أنه أنا أنا من سيقوم بتلك الجريمة

جاءته لحظة صمت عبر الهاتف قبل ان يأتيه الرد في صوره ضحكة مجلجلة !

اذن أنت تود الإبلاغ عن عن نفسك انك تنوي قتل شخص ما

اجابه الرجل في هدوء نعم
قال له الشرطي إذن لا تفعلها و نحن سنسامحك
رد الرجل بل سأفعلها
و هنا انقلبت سخرية الشرطي إلي غضب حانق قبل أن يقول
لا تهزأ بي يا رجل استطيع أن اضعك في الحبس بتهمة ازعاج السلطات
قال الرجل انا لم اتصل لإزعاج السلطات بل اتصل لأبلغ عن جريمة قتل
و أنا سأغلق الخط و سآتي لأقبض عليك بتهمة ازعاج السلطات
رد الرجل قائلاً عليك أن تمنع الجريمة من الحدوث أولاً

ثم انك لم تسأل عن المقتول
اصاب الفضول الشرطي رغم عدم قناعته بصحة البلاغ قبل ان يرد بصوت يحمل كثيراً من الإستخفاف
و من تراه سيكون سعيد الحظ
اجابه الرجل بثبات المقتول سيكون ضابطاً

ضابطاً في جهاز الشرطة ثم أغلق الخط
و اسقط في الرجل
ظل لساعة كاملة يفكر ماذا يفعل قبل أن يقول لنفسه الأمر لا يستحق المجازفة
و هنا أمر بتجهيز قوة تحركت الي عنوان المكالمة
يتبع

من يطبق الشريعة!





يقول تعالي :
بسم الله الرحمن الرحيم
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]
، يليها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]
، يليها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

ثلاث آيات قوية بالتأكيد لن تريد أن تصبح في مرماها كمسلم لكن هل تصدق أن الخليفة عمر ابن الخطاب قد تجاوزها و هو من هو  في عام الرمادة حين أصاب المسلمين قحط شديد فعلها عمر دون أن يتردد أو يراجعه الصحابة الكرام لأنه ظن أن تطبيق الأحكام في تلك الفترة و هو ليس بنبي مرسل و لا يأتيه الوحي.

لقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تطبيق الشريعة في تلك الفترة سينحرف بها عن مقاصدها فما كان نه إلا أن اتخذ هذا القرار الشجاع دون تردد أو حسابات.

و اليوم تعالت الأصوات مطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في زمن يحاكم فيه الثوار و يحصل فيه كبار اللصوص و القتلة و المحتالون علي البراءات بالجملة!

إن المطالبين بتطبيق الشريعة هم أنفسهم من فشلوا في تطبيق أبسط عقوبة علي من سفكوا الدم و نهبوا المليارات و أشاعوا الفوضي كفتحي سرور و عمر عبد الرحمن و مرتضي منصور و غيرهم فمن الذي سيطبق الشريعة؟


القاضي الفاسد الحاصل علي مقبول و الذي بدأ حياته بظلم و أخذ مكان زميل له كان أحق منه أم القاضي الذي انتخب رئيساً لناديه و الذي يثير حفيظتنا مجرد رؤية أمثاله في منصب قضائي أم القاضي الذي آوي مرتضي منصور المطلوب و المستشار أيضاً!

أم سيطبقها الضابط الفاسد الذي عذب وقتل و انتهك حرمات الناس و كان قبضة للظلم و الإستبداد أم الذين قتلوا الثوار و حصلوا علي البراءات في مهرجان ليس له مثيل!

أم سيقوم علي تطبيقها محامون فاسدون اعتادوا علي التلاعب بالقانون و ثغراته حتي صار المظلوم لا يأمن علي نفسه عقوبة الظالم إن طالب بحقه و أمن الظالم علي نفسه من العقوبة

أليس من باب أولي أن تطهروا الدولة من مثل هؤلاء حتي اذا طالبتم بتطبيق الشريعة نفذت مقصدها فحاصرت الظلم و أنصفت الناس ؟ أم نسعي لتجربة فاشلة أخري تنتهي بصب الناس اللعنات علي اليوم الذي اختاروا فيه الشريعة كما يفعلون الآن بعد أن أوصلوكم للسلطة!

إن الشريعة الإسلامية هي آداة لتحقيق العدل في مجتمع يملك الحد الأدني من مقومات العدالة و هي

الحاكم العادل و القاضي النزيه و الضابط الشريف و جهازاً حقيقياً البحث الجنائي

استقيموا أولاً لتستقيم الموازين فإذا استقامت أقيموا عليها من هم أهلها فإذا فعلتم ذلك فطبقوها دون تردد وستجدون من الدعم و المساندة مالم تكونوا تتخيلونه و حتي ذلك الحين تصبحون علي خير

 Mohamed Ali Maher

حينما تثور الضباع (قصة حقيقية)

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012





كتبها : محمد علي ماهر

ملحوظة الحيوانات الوارده في القصة لا تشبه أي شخصيات حقيقية كون بعضها من الحيوانات المفترسة بطبيعتها لا لجشع بل لفطرة فطرها الله عليها !

في تلك الغابة البعيدة كانت تعيش مجموعة من الحيوانات و كان يحكمها أسد عجوز ظالم بدأ حياته كأسد عادي ثم اجتمعت حوله الذئاب و أخذت في اغواءه قائلة

سيدي الأسد انك تأكل ما تصطاده و هذا لا يكفي لأسد عظيم مثلك لابد لك من ان تصطاد المزيد من الفرائس ثم تتذوق لحمها فتأكل ما يعجبك و تترك مالا يعجبك ونحن سنتكفل به ! اعجبت الفكرة الأسد نعم لماذا لا يحصل علي الأفضل أليس هو الملك الوحيد للغابة! سعدت الذئاب بقرار الأسد و انضمت اليها النسور و كانت عينه علي الغابة و يوماً بعد يوم كان الأسد يزداد جوره فيصطاد المزيد و المزيد من الفرائس حتي دون أن يكون جائعاً و كانت الذئاب و النسور تحثه علي صيد المزيد بل و تشاركه الصيد لتزداد انصبتها

بدأت حيوانات الغابة تضج بهذا الأمر و كانوا يتحدثون سراً لأن النسور كانت دائماً تراقبهم و من يعرف انه يعارض الأسد يكون الفريسة التالية للذئاب و تناهي إلي مسامع الأسد ان الحيوانات بدأت تضج فجمع الذئاب و قرروا تحييد أكبر مصدر لقوة الحيوانات إنها الضباع تلك المجمعة التي عرفت بقوتها و تنظيمها و قرروا تخصيص قد يسير للغاية من جيف غنائمهم للضباع بعد ان كانوا يعمدون لإهانتهم و قتلهم.

و مرت الأيام و الحيوانات تعاني من قسوة الأسد و زبانيته من قطيع الذئاب حتي حدث ما قلب الأمور رأساً علي عقب
لقد حدثت ثورة ناجحة علي النمر الذي كان يحكم الغابة المجاوره إنتعشت الآمال و أدركت الحيوانات أنها قوة لا يستهان بها تجمعت الحيوانات و قررت الخروج في ثوره عارمة ضد الأسد و سرعان ما انضم لهم الضباع بعد أن شاهدوا الجمع الحاشد لقد عرفت الحيوانات قوتها الحقيقية لتتمكن من طرد الأسد العجوز من الغابة .

بعد ان احتفلت الحيوانات قرروا أن يختاروا حاكماً و اتخذت الحيوانات قرارها باختيار الضباع ليحكموا الغابة فهم مجموعة كبيره و قوية كما أن الكثيرين منهم قد سقطوا قتلي و جرحي خلال الثوره و راهنوا علي امكانيتهم  ملء الفراغ الذي خلفه خروج الأسد و تشتت الذئاب و اختفاء النسور المفترسة من السماء فلابد من أن يكون هناك من يحمي الغابة و يدير شئونها

وحدها الضباع لم تكن تؤمن بقوتها ! كانوا كما لو كانوا قد اعتادوا علي أكل ما تخلفه لهم زمرة الذئاب ويرون أن صيد النسور علي الأرض ضرب من المستحيلات!

و مرت الأيام و عادت زمرة الذئاب تتجمع و تهاجم الحيوانات و النسور تنشر بينهم الشائعات و الفوضي !و استغلت بعض الثعالب آداء الضباع الضعيف للهجوم عليهم لا حباً في الحيوانات و لكن لأن بعضهم كان يمني نفسه بالسلطة و البعض الآخر تضرر من منع الصيد في الغابة بعد ثوره الحيوانات ! أما المتضررين حقاً فكانوا الحيوانات المسكينه التي يتم الإعتداء علي العديد منها كل يوم حتي وضاقت ارزاقهم بسبب قلة الأمن في الغابة

شعرت كل الحيوانات بالغضب لأن الضباع تركت الذئاب و النسور تنهش لحومهم و لم يحركوا ساكناً أو يعاقبوا احداً ممن قتل و يقتل اخوتهم و كل ما كانوا يفعلونه هو نشر بعض الضباع في الغابه لتبرير تقاعسهم فكانوا يتعللون باتساع الغابة تارة و بانتشار الذئاب و صعوبة السيطرة عليهم تارة أخري و كثر الظلم و بدأت الحيوانات في التفكير للتخلص من حكم الضباع ثم حدث حادث غير مجري الأحداث وكان كالصاعقة التي نزلت علي الجميع

انتهي الجزء الأول من القصة
تابع الجزء الثاني 

التبرير...أسوأ أنواع الكذب

الثلاثاء، 31 يوليو 2012


التبرير عبارة عن أعذار وأسباب تبدو للنظرة العابرة مقنعة ومنطقية ولكنها ليست الأسباب الحقيقية والدوافع الفعلية وراء السلوك وهي عبارة عن تبرير لسلوك الفرد ومعتقداته الذى يعتقد هو في قرارة نفسه أنه خاطئ، فظابط الشرطة الذي يقسو على المتهمين يختلق عيوبا تبرر سلوكه نحوهم

"و من شأن هذا السلوك أن يحرم صاحبه من التبصر بأفعاله والتحكم فيها ومراجعه أخطائه ومن ثم قد يتورط في الجريمة"

الحق

السبت، 28 أبريل 2012

ما أجمل ان يكون الإنسان مستقل العقل و الفكر والرأي يعرف تمام اليقين أنه سيقف أمام الله ليسأل وحده فلا يبتغي منفعة يأوي إلي الحق وإن ضعف ولا يأوي الي الباطل وإن قويت شوكته , و الحق لا يملك حق تسجيله في الشهر العقاري إنسان أو جماعة أو سلطة , إنه إسم أعظم خالد من اسماء الله لم يوهب لإنسان , و إن وهب العقل الذي يتدبره ويتفكر فيه ليصل الي معانية و يتلقفه بقوة ولا يحيد عنه مهما بدا له الأمر شاقاً أبي من أبي و تنكر من تنكر فالرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بهم.

المزرعة السعيدة : كيف تطعم أبقارك و تجوع نفسك !!

الاثنين، 2 أبريل 2012

تعتبر ألعاب العوالم الإفتراضية (virtual worlds) من أوسع الألعاب انتشاراً علي مستوي العالم و أكثرها جذباً للمراهقين و الصغار بل و الكبار علي حد سواء مثل لعبة Second Life و تيبيا Tibia و كونكر Conquer  أو لعبة المزرعة السعيدة الأشهر بين مستخدمي الفيس بوك و لعل ما يميز هذه الألعاب هو ما تقدمة من حياة افتراضية ثرية فيمكن لك ان تختار الشخصية التي ترغب فيها أو بمعني أصح التي ترغب أن تحياها و تبدأ في اللعب بها بل و الإندماج معها خصوصاً مع تعدد اللاعبين (multiplayer games ) من شتي بقاع الأرض من الحالمين أو الذين يعانون من الفراغ  و لأن التقدم في المراحل من خلال هذه الألعاب يعتمد علي الفترة التي تقضيها فيها يمضي مئات الملايين من البشر المليارات من الساعات يومياً لتحقيق المزيد من المستويات و التقدم فيها المستوي تلو الآخر و تحقيق المكاسب الإفتراضية أو الوهمية واحداً تلو الآخر ليسقطوا فريسة إدمان جديد و هو ما بات يسمي الإدمان الناعم أو السوفت أديكشن soft addiction و لا يفوتنا أن نذكر الرابح الوحيد من هذا السباق العبثي و هو الشركات المقدمة لهذه الألعاب

لا يفوتني هنا أن اعترف انني في فترة من الفترات كنت أحد اسري هذا النوع من الإدمان 
لكنني ادركت فجأة ان مثل هذا النوع من الإدمان هو تدمير محقق للإنسان وضياع لوقته و هلاك لصحته بلا طائل فتركته الي غير رجعة و آثرت استثمار أوقاتي فيما يفيد و ما أكثر الفوائد في فضاء الإنترنت و لكن لمن يبحث و لمن يريد

ان خطورة هذه الألعاب تكمن في أنها تحولت من اللعب الي نوع من التعايش سببه الرغبة في الهروب من الواقع الي حياة اسهل وواقع أفضل حتي لو كان وهمياً و الأختر أن يسمح للصغار بممارستها علي مدي ساعات و بما يشكل خطورة علي تكوينهم الشخصي و مستقبلهم.

أما الكبار فهم الأكثر استحقاقاً للوم لأنهم أكثر نضجاً ووعياً و أضيق وقتاً ولا يفوتني أن أذكر خبراً قرأته عن زوجين كوريين تركا طفلهما يموت جوعاً  لتكتشف الشرطة الحقيقة المذهلة و المؤسفة أن الزوجين كانا منشغلين بإطعام طفلأ إفتراضياً في حين ذهبت صرخات صغيرهما الذي يتضور جوعاً ادراج الرياح ! لقد تحول لحالة مرضية كلفتهما صغيرهما بسبب ادمان لعبة إلكترونية تحولت إلي لعبة قاتلة !

 

الملف الاقتصادي لنهب مصر فى عهد مبارك

الجمعة، 9 مارس 2012

نواصل فتح ملفات عهد مبارك من خلال دراسة أعددناها مكونة من تسع حلقات بعنوان " من فقه التوريث : هل يستقيم الظل والعود أعوج ؟! " ..
تحدثنا فى الحلقة الأولى عن نهب أراضى مصر ، فى الحلقة الثانية تحدثنا عن سرقة القطاع العام من خلال بيعه بثمن بخس لصالح " واجهات " تدور فى فلك مبارك وعائلته ، فى الحلقة الثالثة تحدثنا عن ملف صحة المصريين خلال العقود الثلاثة الماضية ، وهو ملف كارثى بكل ما تحمل الكلمة من معانى لأن خطورته تكمن فى أن صحة المواطن هى الضلع الأول فى الأمن القومى للدول ، فى الحلقة الرابعة تكلمنا عن التعليم - الضلع الثانى للأمن القومى للدول – فى عهد مبارك  ، وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهيار التعليم وفساده فى عهده ، فى الحلقة الخامسة تكلمنا عن الملف الزراعى لمصر فى عهده والذى ينذر بثورة للخبز ، وفى الحلقة السادسة تكلمنا عن الملف الإجتماعى للمصريين فى عهده وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهياره ، وفى الحلقة السابعة تكلمنا عن ملف حقوق الإنسان المصرى فى عهد مبارك ، وفى الحلقة الثامنة تكلمنا عن الملف السياسى لمصر فى عهده .. سنفتح اليوم الملف الأخير فى هذه الدراسة وهو الملف الإقتصادى ..
يمثل الاقتصاد مجمل الملفات السابقة التى تم تداولها فى هذه السلسة المكونة من تسع حلقات والتى تناولت حياة المصريين فى عهد مبارك الذى امتد ليشمل عقود ثلاثة من حياتهم ..
- إذا كانت أراضى البلاد قد نهبت من قبل آل مبارك وزمرته ، فقد ضاعت على خزانة الدولة 800 مليار جنيه وهى القيمة السوقية لهذه الأراضى ، هو تماما ما صرح به المهندس عمر الشوادفى رئيس جهاز المركز الوطنى لاستخدامات الأراضى فى عام 2007 ، فقد قدر المساحة المنهوبة بنحو 16 مليون فدان ..
( المساحة المذكورة  تقدر بـ 67.2 ألف كم مربع ، وهى تزيد عن مساحة خمس دول من بلدان الشرق الأوسط وهى : فلسطين التاريخية 26.6 ألف كم مربع – الكويت 17.8 ألف كم مربع – قطر 11.4 ألف كم مربع -  لبنان 10.4 ألف كم مربع – البحرين 5.7 ألف كم مربع ) .. ( راجع الحلقة الأولى من الدراسة " ملف نهب أراضى مصر " )  ..
- وإذا كان القطاع العام الذى كان السند الحقيقى للمجتمع المصرى - الفقير فى أغلبيته العظمى - قد تم سرقته ببيعه بثمن بخس لواجهات خفية لحساب نظام مبارك ، فقد ضاعت على مصر عدة مئات من  مليار الجنيهات لأنها دخلت جيوب آل مبارك وزمرته ..
( يقدر تقرير بنك الإستثمار القومى فى بداية التسعينات شركات القطاع العام البالغة فى حينه 317 شركة بما قيمته 500 مليار جنيها ، لكن الحكومة صرحت فى 2007 أنها باعت أكثر من نصف العدد المذكور بمبلغ 35 مليار جنيها فقط ، مع ملاحظتين هامتين وهما فارق التسعير الزمنى بين الفترتين وبيع الشركات الناجحة دون الخاسرة ) .. ( راجع الحلقة الثانية من الدراسة " ملف نهب القطاع العام فى عهد مبارك ) ..
- وإذا كانت صحة المصريين – الضلع الأول للأمن القومى للدول - فى عهد مبارك قد تدهورت وضربت أرقاما قياسية فى ذلك على المستوى العالمى ، وأسبابها – فى أغلبها كما أوضح المتخصصون - من فعل نظامه الفاسد ، فالثابت أن المصريين قد أنفقوا المليارات الكثيرة على مدى ثلاثين عاما لعلاج مرضاهم ، هذا بالإضافة إلى ما النتائج الكارثية النفسية التى تركها هذا التدهور على التكوين الأسرى ( راجع الحلقة الثالثة للدراسة بعنوان " الملف الصحى للمصريين فى عهد مبارك " ) ..
- وإذا كان التعليم – حجر الزاوية فى تقدم الدول والضلع الثانى لأمنها القومى - قد انهار فى عهد مبارك كما أكد المتخصصون ، فلا أمل فى المستقبل ( راجع الحلقة الرابعة من الدراسة بعنوان " ملف التعليم فى عهد مبارك " ) ..
- وإذا كان الشعب جائعا فى عهد مبارك ، وتتسول مصر " الزراعية " المعونات الغذائية من الدول المجاورة ، وتحتل أرقاما قياسية على المستوى الدولى فى استيراد غذائها ، فمن الطبيعى أن ينذر المراقبون بأن ثورة الخبز على وشك أن تطل برأسها ( راجع الحلقة الخامسة من الدراسة بعنوان " الملف الزراعى لمصر فى عهد مبارك " ) ..
- وإذا كان المجتمع قد أصابه اليأس من انعدام فرص العمل ، وضربه بقوة الظلم فى توزيع الثروة ، وغاب الهدف القومى بسبب قيادته الفاسده ، فمن الطبيعى أن تنتشر  بين أطيافه الجرائم الاجتماعية المختلفة ويهرب شبابه إلى أوربا ولو بالموت غرقا أو إلى إسرائيل حيث يلتحقون بجيشها ( راجع الحلقة السادسة من الدراسة بعنوان  " الملف الإجتماعى لمصر فى عهد مبارك " ) ..
- وإذا كانت انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر فى عهد مبارك قد أصبحت أحد أهم العلامات التى يعرف بها نظامه على المستوى الدولى ، حيث يعذب المواطن المصرى فى السجون ويزور صوته فى الانتخابات وبلا حياء ويعبث بدستوره لتصعيد ولى العهد ، فمن الطبيعى أن يحتل نظام مبارك أحد المراكز الخمسة الأولى عالميا فى انتهاك حقوق الإنسان ( راجع الحلقة السابعة بعنوان " ملف حقوق الإنسان للمصريين فى عهد مبارك " ) ..
- وإذا كان السياسة المصرية – التى ترتكز تاريخيا على أربعة ركائز وهى التضامن العربى وقيادة الصراع العربى الإسرائيلى والبعد الإفريقى مع الدول الأفريقية ككل ( 53 دولة ) والبعد المائى مع دول حوض النيل ( 9 دول ) – قد ضربت فى الصميم ، فمن الطبيعى أن ينهار دور مصر السياسى فى عهد هذاالطاغية الفاسد  ..
لقد تخصص مبارك فى دور السمسار السياسى للمنطقة ويصنع المكائد بين القيادات العربية وينحاز – وكأنه صهيونى – إلى جانب إسرائيل ويضع الأسافين بين الفلسطينيين ويتعالى على الدول الإفريقية معرضا عن حضور مؤتمرات القمة وهو ما أدى إلى قيام عدد من الدول الإفريقية ببناء السدود على النيل وتهديد حصة مصر من الماء ( راجع الحلقة الثامنة من الدراسة بعنوان " الملف السياسى لمصر فى عهد مبارك " )  ..
إذا كان كل ما سبق قد حدث على أرض الواقع فى مصر فى عهد مبارك ، فمن الطبيعى أن يعلن عن وفاة الإقتصاد المصرى .. سنناقش ملف مصر الإقتصادى فى هذه الحلقة الأخيرة من هذه الدراسة ، وأود أن أقدم اعتذارى مسبقا عن انتشار الأرقام بين سطور هذه الحلقة بسبب طبيعة الملف  ..
سنقدم عددا من التقارير التى تؤكد على إنهيار اقتصاد مصر فى عهد مبارك ، وهى تتمثل فى النقاط التالية :
*  عن سعر الدولار فى عهد مبارك والذى يشكل مرآة لحالة الاقتصاد المصرى ، ففى بداية عهده الأسود كان سعر الدولار يساوى 85 قرشا ، وقفز الآن إلى 560 قرشاً وانهار الجنيه المصرى وفقد 87  % من قيمته ..
*  عن البطالة فى عهد مبارك ، فقد كانت  بحدود 3 % فى بداية عهد مبارك ، وفى عام 2006 وصلت إلى 29 % طبقا لأرقام مركز الدراسات الإستراتيجية بصحيفة الأهرام فى عام 2006 ..
*  عن الفقر فى عهد مبارك ، فطبقا لدراسة للبنك الدولى نشرت فى أواسط 2006 عن الفقر فى الشرق الأوسط فإن مصر – مع اليمن – احتلت ذيل القائمة كأكثر الدول بالمنطقة فقرا حيث يعيش نصف السكان تقريبا تحت خط الفقر ، وصُنفت مصر كثالث سوق عالمى فى بيع الكلى بسبب فقر مواطنيها واضطرارهم لبيع أجزاء من أجسادهم لمواجهة أعباء الحياة ..
* عن البورصة التى أنشأها مبارك بهدف تنشيط وتنظيم الاقتصاد كما زعم ، فقد سيطر عليها ولداه مع حاشيتهما وقامت بعمليات سطو منظم لإيداعات المصريين بالتلاعب فى قيمة الأسهم هبوطا أو صعودا بالإحتيال والخديعة.. لقد أدت تلك العمليات إلى ضياع الكثير من مدخرات المصريين ونتج عنها الكثير من حالات الانتحار وكان بعضها جماعيا حيث شمل جميع أفراد الأسرة ..
* عن البنوك التى كان من المفروض أن تساهم فى إنشاء المشاريع القومية الكبرى وخلق الوظائف ، فقد ضربها لصوص مبارك فى الصميم مرتين :     
المرة الأولى : من خلال القروض التى حصلوا عيها والتى وصلت مبالغها إلى مليارات كثيرة ثم  امتنعوا عن السداد ، وقد أوردنا فى الحلقة الأولى من الدراسة مثلا واحدا لإبراهيم كامل - أحد أعوان مبارك – الذى اقترض ما يقرب من ثلاثة مليار جنيه من البنك الأهلى – أغلبه كان من فرع الألفى بالقاهرة وامتنع عن السداد لتمتعه بالحماية من مبارك ..
المرة الثانية : من خلال بيع الكثير منها وبثمن بخس إلى الكثير من الواجهات وقد أوردنا الكثير من تلك الحالات فى الحلقة الثانية من الدراسة والخاصة بنهب القطاع العام ..
* تقدم منظمة الشفافية الدولية حالة كارثية عن مدى تغلغل الفساد المتصاعد فى الإقتصاد المصرى .. فقد حصلت مصر على المرتبة 70 فى العام 2006 على سلم الشفافية من مجموع 163 دولة ، والمرتبة 105 فى العام 2007 من مجموع 180 دولة ، والمرتبة 115 فى العام 2008 بحصولها على 2.8 درجة  من إجمالى عشرة درجات من نفس مجموع الدول السابق ، أما فى عام 2009 فقد حصلت على المرتبة 111 من نفس مجموع الدول السابق بينما احتلت الصومال المرتبة الـ 180  ..
* وصل الناتج القومى لمصر – ذات الثمانين مليون نسمة - فى عام 2008 إلى ما قيمته 105 مليار دولار ، ووصل متوسط دخل الفرد إلى ما قيمته 1500 دولار فى السنة ..
هى أرقام كارثية إذا ما قورنت بالدخل القومى فى إسرائيل – ذات الستة ملايين نسمة - فى عام 2008 والذى وصل إلى ما قيمته 202 مليار دولار بينما وصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 28 ألف دولار .. علما أنها دولة تعيش فى محيط يهدد وجودها وتصرف على تسليحها 15 مليار دولار سنويا ..
* أظهر التقرير الشهرى للبنك المركزى المصرى والذى صدر فى 9 فبراير 2010  أن حجم الدين الخارجى لمصر قد ارتفع إلى 32.4 مليار دولار فى نهاية سبتمبر 2009 ( 179 مليار جنيها ) .. كما اعترفت وزارة المالية فى تقرير لها فى 8 يناير 2010 أن الدين المحلى قد وصل إلى 689 مليار جنيها ..
إن نظرة سريعة إلى مجموع الرقمين ( 868 مليار جنيها ) يؤكد وبوضوح حجم الكارثة فى الإقتصاد المصرى ، حيث يتساوى " تقريبا " حجم الدين الإجمالى مع حجم الناتج القومى المصرى ..
لقد قدر المختصون فى أرجاء المعمورة أن حجم الدين المسموح به عالميا لا يجب أن يزيد عن 60 % من حجم الناتج القومى للدولة المقترضة ، وهو ما يعنى على أرض الواقع أن الإقتصاد المصرى قد دخل إلى غرفة الإنعاش ، ومع استمرار الإقتراض داخليا وخارجيا وما يرافقه من دفع الفوائد المستحقة له ( تبلغ فوائد القرض الخارجى ما قيمته  3 مليار دولار سنويا ) فإن الوضع برمته مرشح بالدخول إلى الإفلاس التام ..
*  عن الاستثمار فى عهد مبارك ،  أكد تقرير صادر من البنك الدولى فى العام 2005 أن مصر تحتل المرتبة 141 من بين 155 دولة شملها التقرير .. جاء العراق - رغم الحروب المختلفة التى على أرضه - فى المرتبة 114 .. جاءت إيران وسوريا رغم العزلة الدولية المفروضة عليهما فى المرتبتين 107 ، 121 على التوالى  .. حتى رواندا التى جرت على أراضيها حرب أهلية فى منتصف تسعينات القرن الماضى وقُتل على أثرها ما يقرب من مليون مواطن احتلت مرتبة متقدمة عن مصر ، هذا فى الوقت الذى يخدع فيه النظام المصرى الفاسد شعبه زاعماً زيادة حجم الاستثمارات فى مصر ! ..
كما احتلت مصر المرتبة 58 فى النشاط السياحى فى عام 2007 من بين 124 دولة شملها تقرير مؤشر تنافسية السياحة العالمية رغم أنها دولة غنية بتراثها الثقافى والتاريخى ( يتواجد بمدينة الأقصر ثلاثا آثار العالم ) ، واحتلت الإمارات المركز الـ18 وإسرائيل المركز الـ 32 وتونس المركز الـ34 ، كما أشار التقرير إلى أن مصر حصلت على أقل نسبة من السائحين فى الشرق الأوسط بين عامى 1997 / 2007 ..
وجاء تقرير القدرة التنافسية لعام 2008 والذى يصدر من المنتدى الاقتصادى العالمى " دافوس " ليكشف النقاب عن تدهور وضع مصر فى مختلف المجالات مقارنة بدول العالم  ، فقد احتلت مصر فيه المركز قبل الأخير – رقم 130 – بين قائمة دول العالم التى شملت 131 دولة من حيث كفاءة سوق العمل والقدرة على التنافس ..
* قال تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس وصدر فى 12 مايو 2009 وأعده الخبير المتخصص جيرمى شارب ومفاده أن الفقر والتعليم المنهك والفساد هى أبرز العقبات أمام الاقتصاد المصرى ..
* قال الخبير الاقتصادى أ. د. أحمد النجار – حاصل على وسام الشرف فى محاربة الفساد عن عام 2007 من المنظمات غير الحكومية – فى حديثه لصحيفة الدستور المستقلة الصادرة فى 15 مارس 2006 ما يلى :
" إن الاقتصاد المصرى تغلب عليه صفة " الاقتصاد الأسود " ، بمعنى أنه اقتصاد تنتشر فيه أموال ناتجة عن تجارة المخدرات وسرقة الآثار ونهب الأراضى بثمن بخس وبيعها بأسعارها السوقية بعد تسقيعها " ..
- عن تهريب الآثار فى مصر فقد أكَّد محسن راضي - عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الثقافة والإعلام -  فى 12 ديسمبر 2009 أن بعض الجهات المختصة

هل يستقيم الظل والعود أعوج – ملف التوريث


أوضح القرآن الكريم أهمية العامل الوراثي عندما أورد دهشة أهل مريم التى دخلت عليهم تحمل المسيح عليه السلام حيث قالوا لها ومذكرين بأصلها الطيب " ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " ، كما أورد ابن ماجة عن النبى ص . ع قوله " إن العرق دساس " ، كذلك انتشرت بين أعراق البشر المختلفة الأمثال التى تؤكد ذلك ، ثم جاء العلم الحديث منحازا لكل ما سبق ..

نحن إذن أمام منحدر خطير تقف مصر على حافته ، إذا كانت أحوال مصر من خلال الأرقام المستقلة التى على الورق ومن الواقع الذى يعيشه الناس تؤكد أن مبارك قد " خربها وجلس على تلها " ، فماذا بوسع ابنه المدلل جمال أن يقدم ؟! ..
بدأ مبارك حياته كضابط من أسرة فقيرة وكان أبوه يعمل " نفرا " فى مزارع أثرياء شبين الكوم ، ثم وجد عملا فى محكمة شبين الكوم وكانت الأسرة جميعها تعيش فى شقة من غرفة واحدة ..
أدرك الضابط مبارك منذ بداية حياته العملية أن الثورة التى كانت فى حاجة إلى تأمين وجودها تعتمد على أهل الثقة ، فلجأ إلى الوشاية  برفاق السلاح من خلال التقارير الأمنية ، وكانت نتيجة ذلك تسلقه السريع فى الجيش على حساب الكثير منهم .. لعب القدر لعبته وجاء السادات إلى الحكم وصاحب ذلك علامات استفهام مازالت حتى الآن تبحث عن إجابة ..
عرف عن السادات علاقاته الخاصة مع أهل محافظته ، وصعد مبارك إلى منصب قائد الطيران فى وقت شعر السادات فيه أن الطيران يخطط للإنقلاب عليه ( واجه السادات محاولتين إنقلابيتين فى عامى 71 ، 72 من العيار الثقيل ) .. أصبح مبارك نائبا للسادات بعد أن اطمئن من توافر شرط الطاعة العمياء فيه وتخلص من حسين الشافعى الذى كان يشكل عبأ ثقيلا على صدره ، ثم رئيسا للجمهورية ..
جميعنا يتذكره بسحنته الصفراء فى بداية حكمه ، كم تمسكن وكم كان متواضعا عندما ظهر فى التلفاز جالسا بجوار أحد أعضاء مجلس الشعب وقال له " حضرتك " .. ظننا جميعا أنه موسى حتى اتضح على حقيقته ، فرعونا يحتقر شعبه ويمص دماءه ، السادات وصل إلى نفس النتيجة قبل أيام من رحيله ولم يتمكن من تصحيح أفدح الأخطاء فى حياته بإقصائه رغم صدور القرار .. جميعنا يتذكر أحاديث المسكنة والتخدير التى ألقاها علينا :
* لن أرحم أحدا يمد يده إلى المال العام حتى لو كان أقرب الأقرباء ، إننى لا أحب المناصب ولا أقبل الشللية وأكره الظلم ولا أقبل أن يظلم أحد وأكره استغلال علاقات النسب ( 18 أكتوبر 1981 جريدة مايو ) ..
* الكل سواء عندي أمام القانون ونحن لا نريد قانون الطوارئ ( 20 أكتوبر 1981 جريدة نيويورك تايمز ) ..
* لن أقبل الوساطة وسأعاقب لصوص المال العام ( 26 أكتوبر 1981 مجلة أكتوبر ) ..
* مصر ليست ضيعة لحاكمها ( المصور 30 أكتوبر 1981 ) ..
* الكفن مالوش جيوب ، سنعلى من شأن الأيادى الطاهرة ( خطاب له فى فبراير 1982  ) ..
وكأن الآية الكريمة " فاستخف قومه " كانت تقصده  ، وكأن فرعون الأقدمين – بما ارتكب فى حق المصريين - يقف قزما أمامه  ..
أما المدلل جمال مبارك فلا حاجة له بالمرور بهذا الصداع الذى مر به أبوه ، هو يعتقد أنه يحق له أن يبدأ من حيث انتهى إليه أبوه .. لم يكن بحاجه إلى دخول الجيش كما فعل شباب مصر لأن أباه أعفاه من خدمة العلم .. لم يكن بحاجة إلى أن يكون فقيرا لأنه – مع شقيقه – بدأ حياته العملية فى فرض الإتاوات على خلق الله الناجحين فى مصر ، وقصصهما مع المرحوم وجيه أباظة وآخرين وأعمال السمسرة التى قاما بها فى ديون مصر ، ونهب ثروتها من خلال الواجهات معروفة عن ظهر قلب للمصريين .. لم يعد فى حاجة أيضا إلى أن يتمسكن حتى يتمكن ، لأن القوة الأمنية وقوانين الطوارئ التى يعتمد عليهما أبوه توفر له – كما يظن – الخلافة الآمنة ..
إن أرقام المراقبين المستقلين تؤكد أن الأموال المنهوبة باسم عصابة الأربعة التى حولت مصر إلى مزرعة خاصة لهم تقدر بخمسين مليار دولار وهى موضوعة فى بنوك خارج مصر ، هذا بالإضافة إلى بعض " الفكة " الموضوعة فى أصول داخل مصر باسم زمرة من الواجهات من أمثال أحمد عز وحسين سالم ..
إن جمال مبارك يشارك أباه مشاركة فعلية فى حكم مصر منذ عقد من الزمن ووصلت البلاد معهما إلى وضع متفجر .. يتطلب الأمر إذن فتح الكثير من الملفات التى دفع بها مبارك وابنه مصر إلى الوراء ، ولا نبالغ حين نقول أن إصلاح تلك الملفات سيحتاج – فى حالة  وجود حكومة وطنية خالصة – إلى عقود من الزمن وقد يقضى جيل كامل من أبناء مصر الوقت فى ذلك .. 
نقدم على حلقات عددا من تلك الملفات المتفجرة التى أوصلت مصر تحت قيادة مبارك وابنه إلى وضع كارثى وكفيل بإلقاء اليأس فى نفس كل من يقدم على إصلاحها .. إننا ندرك -  ومعنا القراء - أن جميع تلك الملفات متشابكة وأنها تؤثر على بعضها البعض .. سنتناول فى الحلقة الأولى اليوم ملف نهب أراضى مصر تحت قيادة مبارك وابنه جمال ، والذى يشاركه الحكم كما يدل الواقع على الأرض ..

الملف السياسى : نهب مصر فى عهد مبارك (8 – 9)

نواصل فتح ملفات عهد مبارك من خلال دراسة أعددناها مكونة من تسع حلقات بعنوان " من فقه التوريث : هل يستقيم الظل والعود أعوج ؟! " ..
تحدثنا فى الحلقة الأولى عن نهب أراضى مصر ، فى الحلقة الثانية تحدثنا عن سرقة القطاع العام من خلال بيعه بثمن بخس لصالح " واجهات " تدور فى فلك مبارك وعائلته ، فى الحلقة الثالثة تحدثنا عن ملف صحة المصريين خلال العقود الثلاثة الماضية ، وهو ملف كارثى بكل ما تحمل الكلمة من معانى لأن خطورته تكمن فى أن صحة المواطن هى الضلع الأول فى الأمن القومى للدول ، فى الحلقة الرابعة تكلمنا عن التعليم - الضلع الثانى للأمن القومى للدول – فى عهد مبارك  ، وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهيار التعليم وفساده فى عهده ، فى الحلقة الخامسة تكلمنا عن الملف الزراعى لمصر فى عهده والذى ينذر بثورة للخبز ، وفى الحلقة السادسة تكلمنا عن الملف الإجتماعى للمصريين فى عهده وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهياره ، وفى الحلقة السابعة تكلمنا عن ملف حقوق الإنسان المصرى فى عهده .. سنفتح اليوم الملف السياسى لمصر فى عهد مبارك ..
لا يمكن أن نفتح الملف السياسى لمصر فى عهد مبارك إلا من خلال الرجوع قليلا إلى الوراء ، كى تكتمل الصورة فى وضوحها ونكون فى أقرب مكان محاولين معرفة حقائق الأمور ، شرط أن نكون بعيدين عن التعصب ونتمسك بحيادية الباحث عن الحقيقة ..
الثابت أن قناة السويس ومنذ افتتاحها فى عام 1869 قد زادت وبدرجة كبيرة من أهمية مصر على المستوى الدولى ، ومعها زادت الدول الغربية من نشاطها للسيطرة عليها لضمان استمرار مصالحها ..
كما زادت أهمية مصر – كأكبر دولة عربية سكانا وأوقواها جيشا – بعد أن أنشأ الغرب الكيان الصهيونى فى موضع مفصلى فى الجسد العربى  ، ومع نشوء هذا الكيان الغاصب زادت الدول الغربية من نشاطها للسيطرة على مصر لضمان أمنه ..أما سيطرة تلك القوى على مصر الملكية ، فمعروف لدى عامة المصريين ..
جاء عبد الناصر ومثل طموح المصريين فى الخروج من سيطرة الغرب ، بذل جهدا كبيرا فى محاولة استقلال القرار المصرى وأن يكون نابعا من مصر ولصالح شعبها .. توسعت فى الوقت نفسه مشاريع التنمية فى كل أنحاء مصر وعلى مختلف الأصعدة .. 
مثل عبد الناصر عقبة كبرى أمام الدول الغربية فى طريق تحقيق هدفها بالسيطرة على مصر ، أسرعت تلك القوى من مجهوداتها فى سبيل إعادة مصر إلى حظيرتها وعملت فى تلك المرحلة على محورين :
المحور الأول : كان يمثل العمل من خارج الحدود المصرية وذلك على مرحلتين : المرحلة الأولى كانت بتشجيع إسرائيل على الاعتداء على مصر بهدف إشغالها فكريا واستنزافها ماديا ، والمرحلة الثانية كانت بوقف تمويل السد العالى بهدف تعطيل خطط تنموية ملحة  ..
المحور الثانى : يتمثل فى اختراق الثورة من الداخل بتجنيد بعض عناصرها بغرض انقسامها وإسقاطها من الداخل ، كان هذا المحور يعمل فى ذات الوقت مع المحور الأول ..
كان الملفت للنظر أنه بينما فشل المحور الأول بمرحلتيْه فى إسقاط الثورة وأدى إلى نتائج عكسية تماما حيث زاد من تمسك الشعب بقيادته ، إلا أن المحور الثانى نجح نجاحا منقطع النظير فى إعادة مصر إلى أحضان الدول الكبرى ، وانتهت مرحلة استقلالية القرار المصرى بالرحيل الغامض لصاحبها فى عام 1970 ..
أرجو أن يعرف القارئ أننا لسنا هنا بصدد الدفاع عن الثورة ، الثابت أن الثورة قد ارتكبت عدة أخطاء فادحة تمثلت فى انتهاك حقوق الإنسان وتفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة ، خاصة فى قطاع القوات المسلحة ..
لقد أيقن عبد الناصر أن رجال الثورة لم يكونوا على قلب رجل واحد ، لكنه لم يدرك أن الثورة مخترقة من دول الشرق والغرب .. لقد تولى القطاع المدنى وترك - مضطرا ومجبرا – القطاعين الشرطى والعسكرى لرفاقه حتى لا ينقسم الجيش وتأكل الثورة أبناءها ..
الثابت أن رفاقه فى الثورة تخلوا عن مسؤولياتهم بشكل فاضح وتعرضنا للهزيمة العسكرية التى قسمت ظهر أبناء الأمة العربية وما زلنا نعانى منها من خلال احتلال كل من الضفة الغربية – بما فيها القدس - والجولان ونزع سلاح سيناء  ..
أدرك عبد الناصر بعد أن أنهكه صراع القوى الكبرى أن البلد تحكمها عصابة من الفاسدين ، كان يردد فى عقده الأخير تلك العبارة أمام المقربين منه ( جمال حماد فى حلقات شاهد على العصر بقناة الجزيرة الفضائية ) .. صحيح أنه كان كثيرا ما يصل الليل بالنهار فى مكتبه يتابع البناء فى كل المواقع ، لكنه فى النهاية فرد واحد ومحاصر خارجيا وداخليا أمام قوى تزيد عنه فى العدد والعدة ..
حقق عبد الناصر فى القطاع المدنى الذى تولاه معدلات تنمية لم تصل إليها أى قيادة مصرية من بعده ، ورحل ومصر مدينة بمبلغ مليار ونصف المليار دولار فقط فى ديون أغلبها عسكرية ..
لقد قاوم عبد الناصر كل المحاولات فى ترويضه أو إفساده بغرض السيطرة عليه .. لم يكن يشرب ولم يكن زيرا للنساء ولم يكن يهوى نهب ثروات بلده ، هذه هى ثلاثية الإفساد التى يمتلكها الغرب ويبدع فى تجريبها مع كل قائد يلتف حوله شعبه ، فإذا رفض ارتكاب تلك المحرمات فإنهم يتحالفون جميعا لإسقاطه ..
كان يتمتع بجهاز مناعى من طبيعة خاصة لا يمتلكه إلا الثوار الحقيقيون ، وفشلت معه كل محاولات قوى الخارج ورجالهم فى الثورة المخترقة فى الوصول إليه من خلال تلك الثلاثية ..
تبقى فى جعبة الغرب سلاح واحد سريع الفاعلية ، وسقط عبد الناصر داخل عاصمته ، وجاء السادات الذى كان الرجل الخفى للغرب داخل الثورة المصرية ..
( صرح الصحفى الأمريكى الأكثر شهرة بوب وودورد فى 25 نوفمبر 1977 فى صحيفى الواشنطن بوست أن السادات كان يعمل لصالح المخابرات المركزية الأمريكية الـ C.I.A  منذ منتصف الستينات ، وقد أعلن الصحفى المذكور أكثر من مرة أن الرئيس الأمريكى آنذاك جيمى كارتر قد ألح عليه لعدم نشر ذلك لما قد يتسبب من تعريض المصالح الأمريكية للخطر ، لكنه أصر الصحفى على النشر ) ..
لقد كان أعداء جمال عبد الناصر موجودون خارج حدود مصر ممثلين فى أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإسرائيلية  .. كانت خطتهم واضحة وهى الخلاص منه ، لم يكن ليتركوه ليحقق تضامن عربى وطفرات اقتصادية واجتماعية ..
وبينما كان السادات ومن بعده مبارك مرحب بهما خارج حدود مصر - وعلى الأخص فى دول تلك الأجهزة الأمنية السابق ذكرها - فإن عدوهما كان داخل مصر ، كان الشعب المصرى نفسه ..
لقد تحقق لتلك الدول الأربع المذكورة ما أرادوه ورحل جمال عبد الناصر من داخل عاصمته بعد أن فشلوا فى إسقاطه عبر الحدود ، وما زالت كيفية رحيله تلقى بأسئلة لا تنتهى ( راجع الحلقة الرابعة من سلسلة " حرب أكتوبر وضرورة لجان التحقيق المستقلة " لكاتب المقال ) ..
نستطيع تقييم دور مصر السياسى فى المنطقة فى ملفين :
الملف الأول : دور مصر الشرق أوسطى .. يحتوى هذا الملف على مسارين وهما العمل العربى المتمثل فى التضامن العربى ، والصراع مع إسرائيل المتمثل فى قضية فلسطين ، والتى هى لب الصراع ..
الملف الثانى : دور مصر الأفريقى .. ويحتوى هذا الملف على مسارين أيضا وهما المسار السياسى مع الدول الأفريقية ككل والمسار المائى مع دول حوض النيل ..
يستطيع إذن القارىء وبسهولة أن يقوم بتقييم عمل كل رئيس جاء لمصر بعد الثورة من خلال أدائه فى هذين الملفين ذات المسارات الأربعة ، ليعرف فشل أو نجاح أى رئيس مصرى فى عمله :
* تقييم أداء عبد الناصر :
- أدرك عبد الناصر ومنذ سنوات الثورة الأولى أن قوة العرب فى تضامنهم فأطلق شعار القومية العربية  .. احتضنت الجماهير العربية هذا الشعار من الخليج إلى المحيط  .. تنبهت القوى الغربية إلى خطورة هذا الشعار على مصالحها والتى هى عبارة عن استغلال موارد المنطقة من خلال العروش الموالية لها ، وبقاء إسرائيل ..
إن فكرة القومية العربية ما زالت هى الأمل الأقرب إلى التنفيذ فى قلوب الملايين العربية .. هناك القومية الأوربية التى تحققت من خلال السوق الأوربية المشتركة وضمت 27 دولة مختلفة فى الدين واللغة وحققت لشعوبها الرخاء  ..
تذكرنى دائما السوق الأوربية المشتركة بحديث رسول الله ( ص . ع ) فى صحيح مسلم : مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ..
إن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تمر بها اليونان هذه الأيام وتكاتف كل دول السوق لحلها لهى أكبر دليل على تعاطف تلك الدول فيما بينها لحل مشكلاتها وتحقيق الرخاء لشعوبها ..أما نحن فرغم وحدة الدين واللغة والأهداف ، إلا أن الأمر يشبه إلى حد بعيد بسجن كبير يقوده مجموعة من الطغاة والفاسدين ..
- أما بالنسبة لقضية الصراع العربى الإسرائيلى فى عهد عبد الناصر ، فالمتتبع لخط الصراع يتبين له أن إسرائيل كانت تهرول وراء العرب من أجل إنهائه لثقتها أن التضامن العربى يهدد وجودها .. مازال شيمون بيريز على قيد الحياة ، هو الذى صرح أكثر من مرة بأن إسرائيل عرضت على عبد الناصر " أربع أو خمس مرات " الإنسحاب الكامل من سيناء نظير " هدنة " مع مصر ، وقد رفض عبد الناصر هذا العرض لأنه كان على ثقة بأنه سيدمر التضامن العربة لو قبل به ، وهو ماكانت ترمى إليه إسرائيل كى يتسنى لها الإستيلاء على فلسطين ..
- وفيما يخص بالمسار السياسى لمصر المتمثل فى عمقها الإفريقى فى عهد عبد الناصر فهو ملف مضىء ومشرف بكل المقاييس .. مصر ساعدت الكثير من الدول الإفريقية على التحرر من الإستعمار وكان عبد الناصر زعيم إفريقيا بلا منافس ..
- أما المسار المائى لمصر فى إفريقيا فى عهده ، فكان قويا أيضا وصلبا بسبب صلابة العمق الإستراتيجى  لمصر فى أفريقيا ..
* تقييم أداء السادات :
- كان التضامن العربى فى النصف الأول من حكم السادات ما زال صامدا وقدم العرب كل المساعدات المتاحة عسكريا لمصر فى حربها مع إسرائيل فى عام 1973 ( إقرأ الحلقة الخامسة من " حرب أكتوبر وضرورة لجان التحقيق المستقلة " لكاتب المقال لتتعرف على حجم المساعدات العسكرية العربية لمصر ) ..
إلا أن الثابت أن السادات قد دمر هذا التضامن فى النصف الثانى من حكمه عندما وقع اتفاقية السلام مع إسرائيل.. لقد وعد الشعب بأن تلك الإتفاقية ستحقق الرخاء لمصر وأن عام 1980 سيكون هو عام الرخاء للشعب المصرى .. لكن الواقع على الأرض كان يدل على أن العكس هو ما حدث تماما .. مشكلات مصر تفاقمت وعلى جميع الأصعدة بعد التوقيع على تلك الإتفاقية ، وقد رأى ذلك السادات بأم عينه قبل أن يرحل ..
أدرك السادات الفشل الذريع الذى جلبته سياساته على مصر ، وأخذ المثقفون منه موقفا سيئا ، كرهوا سحنته وشنوا عليه الهجوم بعد الهجوم ..
كان رد السادات على غضب شعبه هو مزيد من الهروب إلى الأمام بالإنحياز إلى السياسة الأمريكية والتى وصلت إلى فرض التوصيات عليه ، لنأخذ مثلا على ذلك وهو استقباله لشاه إيران رغم رفض جميع الدول التى تهيمن عليها الإدارة أمريكا استقباله ..
- أما دور مصر الأفريقى فى عهد السادات فقد شهد المسار السياسى بعض التدهور بسبب إعادة الكثير من الدول الإفريقية لعلاقاتها السياسية مع إسرائيل بعد أن بادر السادات بها ، بينما بقى المسار المائى متماسكا ، ربما بسبب أن الخطة الإسرائيلية كانت تنتظر بعض الوقت لحداثة إتفاقيتها مع مصر ..
* تقييم أداء مبارك :
تولى نائب رئيس الجمهورية  حسنى مبارك الحكم بعد رحيل السادات .. كان قد تم ترويضه جيدا فى فترات تجهيزه كنائب .. عرف كل من الغرب وإسرائيل جميع نقاط ضعفه .. أنه يشبه إلى حد بعيد أحد رؤساء جمهوريات الموز فى أمريكا الجنوبية الذى أغرقوا بلادهم بكرة القدم والدعارة والخمر كى يتسنى لهم اغتصابها ..
أفرغ مبارك منذ سنوات حكمه الأولى مصر من ثقلها السياسى ووضع طريقا ثابتا أمامه يقوم أساسا على التعامل مع الشعب من خلال احتقاره والاستعلاء عليه مدعوما بالقوة الأمنية ، نضرب مثلا على ذلك هو تمسكه برجال يكرهم الشعب إلى حد بعيد وطغيان الإنتهاكات فى حقوق الإنسان ..
- كانت آفة عبد الناصر التى دمرت أهداف الثورة هم رفاق السوء من أعضاء مجلس الثورة ، بعضهم تولى ملفات عسكرية وأمنية فأفسدها وتسبب فى هزيمة نكراء ، وبعضهم تآمر مع قوى الغرب كطابور خامس فأجهز عليها عندما تلقى الضوء الأخضر ..
- أما آفة السادات فكانت اتفاقية السلام التى وقعها مع إسرائيل ورميه بكل أوراق القضية فى دائرة النفوذ الأمريكى ، وقد أفسد كل منهما القضية وزاد من تدهور مصر على جميع الأصعدة ، خاصة الإقتصادية والسياسية..
- أما آفة مبارك ، فهى بحر من الظلمات والعمالة التى تستند على الطغيان والفساد ، وقد ضم لهما التوريث فى العقد الأخير ، وهو ما أدى فى النهاية إلى أن تفقد مصر جميع أوراق دورها الريادى فى المنطقة ..
كان يعلم منذ سنوات حكمه الأولى أنه لا يملك كاريزما سياسية لتحقيق طموحات شعبه ، فاتجه بكل قوته إلى اللعب على الحبل من باب السمسرة السياسية لتدعيم مكانته الشخصية ، تجلى ذلك بصورة واضحة فى العراق والسودان واليمن وليبيا ومع الفلسطينيين على وجه الخصوص  .. 
كما كان يعلم ومنذ أن كان نائبا أن شعبه يكرهه ويطلق عليه النكات التى تليق به ، وقد ساهمت تلك العلاقة العدائية التى بين مبارك وشعبه وبصورة كبيرة فى تدهور دور مصر السياسى ، حيث خصص مبارك جزءا كبيرا من مجهوده لتأمين نفسه لمعرفته المطلقة أنه قد تولى عملا لا يستحقه ..
- مصر فى عهد مبارك لم تعد الشقيقة الكبرى أو حتى الصغرى ، تنازلت مجبرة عن دورها العربى الذى تسلمته السعودية منها وبجدارة .. لم تعد مؤتمرات القمة العربية فى عهده إلا ساحات بقيادته لصب الزيت على النار بين القيادات العربية وصنع الفتن والمكائد هنا وهناك وبأوامر أمريكية أحيانا أو إسرائيلية أحيانا أخرى ..
- مصر فى عهد مبارك أصبحت صهيونية التصرف والسلوك رغم كونها عربية الشكل واللغة .. تشارك الإسرائيليين فى خنق أهل غزة ، وتضع الأسافين والخلافات بين الفلسطينيين لمنعهم من تقوية جبهتهم الداخلية وتنحاز – بأوامر أمريكية - للطرف الذى يفرط فى الحد الأدنى من الحقوق والثوابت ، وتعطى الكيان الصهيونى الغاز المصرى  ..
لا يوجد عاقل فى هذا الكون يصدق أن يعطى مبارك الغاز المصرى – المحدود فى الأصل - إلى إسرائيل  بسعر أقل من  2 دولار للوحدة بينما سعره العالمى يزيد عن 12 دولار ، الكارثة أن تتم الصفقة لمدة 15 سنة قادمة وليست سنوية ، والكارثة الأكبر أننا نستورد نفس الغاز من الجزائر بالسعر العالمى ..
حديث مصطفى الفقى – أحد أركان النظام – لصحيفة المصرى اليوم فى 12 يناير الماضى أوضح كل شىء ، فقد قال أن الرئيس القادم لمصر لابد أن ينال رضى إسرائيل وأمريكا ..
- مصر فى عهد مبارك لم تعد تهتم بحضور مؤتمرات القمة الأفريقية ، ولم تعد تهتم بحل خلافات الدول الأفريقية السياسية والإقتصادية كما كان يفعل عبد الناصر ..
- مصر فى عهد مبارك دخلت مرحلة الفقر المائى ، لأن إسرائيل – صديقة مبارك والتى لها الكلمة الفصل فى تعيين رئيس مصر القادم – تلعب كما تشاء فى الساحة الأفريقية وتبنى السدود لكل من يرغب كورقة ضغط لقسم ظهر مصر فى المستقبل إذا خرج الرئيس القادم عن طوعهم ..
مصر التى كانت تهدد بالتدخل العسكرى ونسف أى سد يقام على النيل فى أى دولة من دول الحوض ، لم تعد الآن تخيف أحدا لأن نظامها الحاكم مشغول حتى رأسه بتأمين وجوده على صدر شعبه الذى يكرهه  وسرقة أو هدر ثروته ..
لقد أدرك مبارك أن بقاءه فى الحكم مرهون برضاء أمريكا عليه وحمايتها لاستمرار وجوده على صدر شعبه ، فرمى بكل ثقله نحوها لتحقيق مصالحها الخاصة ..
ونختم هذه الحلقة بتقارير وتصاريح صدرت من مراكز بحثية متخصصة  :
1- أوردت أكبر مجلة متخصصة فى الشئون السياسية الدولية وهى مجلة Foreign Policy التى تصدر عن معهد كارنيجى للسلام الدولى تقريرا فى عام 2006 .. فطبقا لتقييم أجرته المجلة المذكورة فى شهرى مايو ويونيه 2006 فقد احتلت مصر المرتبة 31 لأسوأ 148 دولة فى العالم بنتيجة 3.8  درجة من مجموع عشر درجات  ..
وقد استند تقيم المجلة المذكورة إلى إثنى عشر مؤشر هى : الضغط السكانى -  اللاجئون والمهجرون -  معانات الجماعات - النزوح البشرى أى هجرة السكان -  التنمية غير العادلة -  التراجع الاقتصادى -  تفكك عرى الدولة -  الخدمات العامة -  حقوق الإنسان -  حالة الأمن -  انقسام النخب إلى فصائل  - التدخل الخارجى ..
لقد أعد التقييم المذكور أكاديميون متخصصون إستنادا إلى بيانات من مصادر أمينة وموثوق فيها كالبنك الدولى وبرنامج التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة .
2- أما الدكتور عبد المنعم المشاط مدير مركز البحوث والدراسات السياسية في جامعة القاهرة فقد صرح فى يونيه 2008 بما يلى :
" إن الدور المصري فى تراجع دائم بسبب عدة عوامل أهمّها تردّي القدرات الداخلية ، مما أدّى إلى تراجع الارادة السياسية واختصار العمل السياسي في مجموعة من الرموز، بالاضافة الى وضع بعض القيود على دور مصر الإقليمي ، مع الوجود الإسرائيلي البارز الذي يلعب دوراً مزدوجاً مع الولايات المتحدة لتحجيم الدور المصري في المنطقة والحلول محلّه في المستقبل..
إن النظام السياسي المصري يحتاج إلى رؤية عصرية تحدّدها القيادة بالتشاور مع أهل العقل والخبرة ، لكنهم مع الأسف إما أنهم غير فاعلين أو مغلوبون على أمرهم.
إننى أعتقد أن السبيل الأوحد لاستعادة دور مصر هو الانطلاق من الداخل ، أو التحوّل الى النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يقوم على أساس التداول السلمي للسلطة من دون استبعاد الآخرين ، مع توسيع دائرة المشاركة في الحياة السياسية للقوى المجتمعية كافة، ومنها المجتمع المدني ، وإحداث طفرة في السياسات التعليمية والبحث العلمي ..
لا يمكن لدولة أو قوّة خارجية أن تهدّد الأمن في مصر ، بقدر ما يهدّده الوضع الداخلي من الحرمان الاقتصادي ، والتهميش السياسي للقوى السياسية ، وتراجع التعليم والبحث العلمي " .. 
3- فى فبراير 2009 صدر تقرير من مجلس الإستخبارات القومى الأمريكى ويشير إلى تدهور المكانة الإقليمية لمصر خاصة فى السنوات الخمس التى سبقت صدور التقرير .. وطبقا لتقرير المجلس المذكور فقد أسند تراجع دور مصر الإقليمى إلى ما أسماها بشيخوخة حسني مبارك ، وعدم تمتع مصر بأي مزايا تنافسية مقارنة بباقي الدول المحورية في المنطقة ، وبضياع مصر بين تيارات سياسية إقليمية متضاربة سحبت المنطقة من تحت نفوذها لافتقادها أي مخطط سياسي أو اقتصادي جذاب ..
4- أما مجلة المشاهد السياسى التى تصدر من هيئة الإذاعة البريطانية ، فقد قالت فى المقالة الإفتتاحية لعددها الصادر فى 6 فبراير 2010 ما يلى :
" لا يمكن للمرء إلا أن يسلّم بدور مصر «الهدّام» للقضية .. يدرك النظام المصري أنه فقد موقع صانع الأحداث وبات مجرّد متفرّج ، لا بل مخرّب ، بعد عقود من ادّعائه العمل لنصرة القضايا العربية عموماً ، والقضية الفلسطينية خصوصاً..
بعد إنهاء المقاطعة العربية مع مصر إثر إبرام اتفاق كامب ديفيد ، قدّمت مصر نفسها كلاعب إقليمي دوره حاسم لحلّ الأزمات العربية ، والتي نتجت من الصراع مع إسرائيل ، لتبرم اتفاقاً منفرداً مع تل أبيب بعد انتصار 1973، وهي حاولت رغم ذلك أن تصوّر للعالم نفسها على أنها حاملة القضية الفلسطينية وحاميتها..
راحت تقدّم نفسها كمعلّم ، وأجرت دورات تدريبية للمفاوضين الفلسطينيين في الخارجية المصرية ، لتلقينهم أساليب التفاوض مع الإسرائيليين ، وطوّرت مصر دورها من مدرّب الى راع للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية في مؤتمرات للسلام عقدت في شرم الشيخ وباءت كلّها بالفشل .. وبالتالي ، كانت مصر تقود وتمارس دوراً تعطيلياً بين إسرائيل والفلسطينيين ، ثم بين الفلسطينيين والفلسطينيين ، والسعوديين والسوريين ، ناهيك عن السودان واليمن وغيرها من الدول..
ومع مرور الوقت وسقوط القناع المصري ، بدا واضحاً تحوّل الدور المصري إلى مسلسل درامي معاد يقتصر على استجداء المفاوضين الفلسطينيين ومناشدة الإسرائيليين والقوى الغربية ، من دون تحقيق أي خطوات على الأرض ، مع تصريحات مجترّة عن دعم حقوق الشعب الفلسطيني ، بينما تشيّد الجدران الفولاذية لخنق غزّة وشعبها.. وبالطبع ، فإن السياسة المصرية طوال الوقت كانت حريصة على تحقيق مصالحها الخاصة ، ولو على حساب الآخرين ، وشغلت ديبلوماسيتها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة علّهما يفوّضانها دوراً للحصول على منح أو مساعدات ، أو حتى إبرام صفقات تصبّ في جيب السلطة المصرية بوصفها داعماً وحليفاً في عمليات التسوية في الشرق الأوسط.." ..
فى الحلقة القادمة – إن شاء الله – سنفتح ملفا آخر من ملفات حكم مبارك ، فإلى اللقاء ..
رائف الويشى
سانت لويس – ميزورى – أمريكا
elwisheer@yahoo.com
www.liberty4egypt.blogspot.com

ملف حقوق الإنسان للمصريين فى عهد مبارك ( 7- 9 )

نواصل فتح ملفات عهد مبارك من خلال دراسة أعددناها مكونة من تسع حلقات بعنوان " من فقه التوريث : هل يستقيم الظل والعود أعوج ؟! " ..
تحدثنا فى الحلقة الأولى عن نهب أراضى مصر ، فى الحلقة الثانية تحدثنا عن سرقة القطاع العام من خلال بيعه بثمن بخس لصالح " واجهات " تدور فى فلك مبارك وعائلته ، فى الحلقة الثالثة تحدثنا عن ملف صحة المصريين خلال العقود الثلاثة الماضية ، وهو ملف كارثى بكل ما تحمل الكلمة من معانى لأن خطورته تكمن فى أن صحة المواطن هى الضلع الأول فى الأمن القومى للدول ، فى الحلقة الرابعة تكلمنا عن التعليم - الضلع الثانى للأمن القومى للدول – فى عهد مبارك  ، وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهيار التعليم وفساده فى عهده ، فى الحلقة الخامسة تكلمنا عن الملف الزراعى لمصر فى عهده والذى ينذر بثورة للخبز ، وفى الحلقة السادسة تكلمنا عن الملف الإجتماعى للمصريين فى عهده وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهياره .. سنفتح اليوم ملف حقوق الإنسان المصرى فى عهد مبارك ..
لم يشهد تاريخ مصر الحديث قائدا يكرهه شعبه ويرفع أياديه إلى السماء بالدعاء عليه كما يفعل المصريون مع حسنى مبارك ، هو يعلم عنهم ذلك تمام العلم ..
فى المقابل هم يعلمون عنه أنه يحتقرهم ويهدر كرامتهم فى الشوارع والمعتقلات وينهب ويبدد ثروتهم ويزور أصواتهم فى الإنتخابات ويغير لصالح نسله دستورهم ويقدم التنازل بعد التنازل إلى الإسرائيليين كى يتوسطوا له عند الأمريكيين لتمرير التوريث لشعوره أن شعبه   قد تحول إلى جثة هامدة  ..
يعتبر ملف حقوق الإنسان أحد أشهر ملفات الانتهاكات التسعة فى نظام مبارك والتى نقدمها فى هذه الدراسة ، ربما بسبب ما يسبب من صدى دولى فى عصر تتابع فيه الفضائيات وشبكة النت ما يحدث على مدار الساعة ..
نستطيع أن نحدد انتهاكات حقوق الإنسان المصرى فى عهد مبارك فى محورين وهما : انتهاكات حقوق إنسان الدولة القديمة – انتهاكات حقوق إنسان الدولة الحديثة .. ونسوف نتناول كلا المحورين فيما يلى :
أولا : إنتهاك مبارك لحقوق الإنسان القديمة :
تواجدت تلك الحقوق فى الدولة القديمة حبث تكفل للإنسان الحد الأدنى من المعيشة ، مثل الحق فى الطعام المناسب – الحق فى المسكن المناسب – الحق فى العمل – الحق فى الزواج – الحق فى العلاج ..
وقد ذكرنا فى الحلقات السابقة ما يثبت أن مبارك قد أخل بواجباته – مع سبق الأصرار والتعمد من خلال فساده ونهب ثروات البلاد – فى القيام بتوفير تلك الحقوق ..
- مصر على شفى ثورة الجوعى بسبب ندرة الخبز ..
-  ملايين المصريين يسكنون فى العشوائيات والمقابر لأن المسكن أصبح حلما غير قابل للتحقيق ..
- الشباب يغامر بحياته فى قوارب الموت أو بالذهاب إلى إسرائيل والعمل فى جيشها وأجهزة استخباراتها بسبب انعدام الوظائف للمواطن العادى وحصرها على من يدفع مبالغ فلكية أوأصحاب العلاقات ..
- يوجد 9 مليون عانس فى مصر بسبب عدم القدرة على الزواج مع 3  مليون مطلقة يتألمون فى صمت ويتكفلون 8 مليون طفل مصاب بأمراض نفسية ناتجة عن الطلاق ، مع حزمة كبيرة من المشاكل بسبب عدم القدرة على الزوج ومنها جرائم الإغتصاب والمخدرات ..
- لا يوجد دولة فى العالم نشرت الأوبئة بين المواطنين وترفض علاجهم إلا فى مصر ، وقد احتل المواطن فى مصر – كنتيجة لإهمال القيادة السياسية فى صحته – المراتب الأولى عالميا فى عدة أمراض خطيرة مثل الفشل الكلوى وسرطان الكبد والضغط ..
ثانيا : انتهاك مبارك لحقوق الإنسان الحديثة :
تدور حقوق الإنسان فى الدولة الحديثة – بصفة عامة – حول حقه فى اختيار من يمثله .. وكما ضرب مبارك عرض الحائط فى حقوق الإنسان القديمة بهدف إشغاله ، نراه هنا وبصورة لا مثيل لها فى تاريخ مصر الحديث يضرب حقوق الإنسان الحديثة بهدف دفعه إلى اليأس والإستسلام وفرض الأمر الواقع عليه..
لجأ مبارك هنا إلى فتح عدة جبهات على المواطن المصرى كى يضمن من خلالها وجود الكرسى تحت سيطرته ، ثم اتجهت أطماعه إلى توريث المنصب إلى أسرته بعد أن ظن أن الشعب - المطحون فى سد حاجاته الأساسية – قد تحول إلى جثة هامدة ..
اعتمد مبارك فى دفع المواطن بعيدا عن الصندوق الإنتخابى على فتح سبع جبهات كى يستنزف من خلالها طاقاته فى المقاومة ، نستطيع أن تفصلها فيما يلى :
1- فرض  قانون الطوارئ :
فرض مبارك قانون الطوارىء منذ اليوم الأول لاعتلائه سدة الحكم ونكث بوعده فى إلغائه فى الشهور التالية .. وقد أعطى قانون الطوارئ لحسنى مبارك سلطات واسعة ، ولا نبالغ حين نقول أنها وضعته قريبا من مرتبة الإله ، وذلك كما يلى :
-  لرئيس الجمهورية الحق فى وضع قيود على حرية الأشخاص فى الإجتماع والتنقل والمرور فى أوقات وأماكن معينة والقبض على المشتبه فيهم والخطرين على الأمن والتفتيش للأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام الإجراءات القانونية ..
- له الحق فى مراقبة الصحف والمطبوعات وكافة وسائل التعبير ومصادرتها وتعطيل وإغلاق أماكن طبعها ..
- له الحق فى تحديد مواعيد فتح وإغلاق المحلات العامة وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها وله الحق فى توسيع دائرة الحقوق فى هذا الشأن ..
- له الحق فى تكليف أى شخص بتأدية عمل من الأعمال وله الحق فى الإستيلاء على أى منقول أو عقار ..
ـ له الحق فى إجلاء بعض المناطق أو عزلها وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة ..
- له الحق فى تعيين محاكم أمن الدولة ولا يجوز الطعن بأى حال فى الأحكام الصادرة فى تلك المحاكم ..
ترجم حسنى مبارك السلطات الواسعة لقانون الطوارئ بصورة مبالغ فيها وأطلق العنان لضباط الشرطة للفتك بالمواطنين ، وقد وضعت الكثير من منظمات حقوق الإنسان العالمية النظام المصرى كأحد أشهر الأنظمة الدكتاتورية فى التعذيب والقتل ..
ولأن الفساد هو الوجه الآخر للطغيان ، فقد وضعت منظمة الشفافية الدولية النظام المصرى فى تقرير عام 2009  فى مراتب متدنية على سلم الشفافية حيث احتل المرتبة 111 من إجمالي 180 دولة والتى أسوأها الصومال فى المرتبة الأخيرة ، وقد بينا فى الحلقات الماضية – قدر إمكاناتنا – ما نهبه مبارك وعائلته وحاشيته من مقدرات مصر ..
كما استخدم حسنى مبارك قانون الطوارىء فى حظر التجمعات السلمية والتى لا يصرح بها إلا فى أضيق الحدود وفقط إذا علم أنها تحسن صورة النظام الحاكم عند الغرب ولا تمثل تهديدا للنظام .. النظام يرحب بتواجد عشرات الألوف حول مطار القاهرة لاستقبال الفريق القومى لكرة القدم ، لكنه يهدد للمواطنين بالقبض عليهم عندما ذهبوا إلى نفس المطار لاستقبال د. البرادعى ..
وتعتبر المحاكم العسكرية أحد الملاذات الآمنة التى يلجأ إليها حسنى مبارك للتخلص من خصومه السياسيين ، ونخص بذلك أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ..
فكثيرا ما تبرأ المحاكم المدنية أعضاء الإخوان المسلمين من التهم التى يلفقها مبارك لهم ، هنا يلجأ مبارك إلى المحاكم العسكرية التى يرأسها هو  أو من ينوب عنه – كوزير الدفاع - والتى لاتعترف بالاستئناف  .. لقد شهدت مصر فى الفترة 1992 / 2008 إحالة أكثر من 50  قضية مدنية إلى المحاكم العسكرية ضمت عدة آلاف خصوم مبارك السياسيين ، وشهدت الفترة 2001 / 2008 إحالة 21 قضية إلى محاكم أمن الدولة طوارئ ضمت الكثير من المواطنين الذين سُلبوا الحق فى المثول أمام قاضيهم الطبيعى ..
وفيما يخص حرية التعبير ، فقد توسع حسنى مبارك فى الزج بالصحفيين الذين يتصدون لقضايا الفساد والطغيان إلى المعتقلات .. شهد عام 2000 عدداً من من قضايا النشر بلغ 16 قضية ، وفى عام 2001 كان العدد 10 قضايا ، وفى عام 2002 كان 12 قضية ، وفى عام 2003 كان 13 قضية ، وفى عام 2004 كان 9 قضايا ..
لم يتوقف الأمر عند حد تلفيق التهم للصحفيين فى المحاكم المختلفة ، بل تعداه إلى الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم ، ولعل حادثة مقتل الصحفى رضا هلال الذى اختطف فى عام 2003 ولم يظهر حتى الآن وحادثة محاولة قتل الصحفى عبد الحليم قنديل فى عام 2004 باختطافه فى جوف الليل وتركه عاريا فى قلب الصحراء تعتبران الأشهر فى هذا الشأن ..
2-: حظر إنشاء أحزاب سياسية منافسة :
بدأت مسيرة النظام مع الأحزاب فى عام 1976 بإنشاء المنابر ثم صدر قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 وتشكلت بموجبه لجنة الأحزاب التى أُعطيت الحق فى قبول أورفض أى حزب .. 
تكونت لجنة الأحزاب من سبعة أعضاء وهم : رئيس مجلس الشورى ووزراء العدل والداخلية والدولة لشئون مجلس الشعب وثلاثة أعضاء من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين غير المنتمين لأى حزب سياسى ..
يذكر د. محمود جامع ( طبيب السادات الخاص وجليسه منذ الطفولة ) فى مذكراته – عرفت السادات – أنه سأل السادات عندما أصدر قراره بتكوين الأحزاب " سيادة الرئيس ، هل تريد أحزابا حقيقية أم تريد مجرد ديكورات ؟ " .. يضيف د. جامع أن السادات نظر له ثم ضحك ضحكة عريضة ، وهو ما فسره د. جامع بأن السادات كان لايريد أكثر من ديكورات لتلميع نظامه السياسى ..
سار حسنى مبارك على درب السادات وتدرب جيدا فى مدرسته ، ثم أظهر فنونه فى الطغيان والفساد بعد أن انفرد بمصر التى أصبحت رهينة بين يديه  ،  يمكن إذن تلخيص مسيرة النظام  مع الأحزاب كما يلى :
-  وافق نظام السادات من خلال لجنة الأحزاب على تأسيس ستة أحزاب وهم : الوطنى الديمقراطى والأحرار والعمل والتجمع والأمة والوفد ..
- وافق نظام مبارك  من خلال لجنة الأحزاب  على إنشاء ثلاثة أحزاب وهم : الوفاق -  الغد -  الدستورى الإجتماعى ( هناك بالطبع العديد من الأحزاب الأخرى الهيكلية والتى أنشأتها الأجهزة الأمنية ، ونفضل عدم ذكرها لعدم أهميتها ) ..
- رفض نظام مبارك من خلال لجنة الموافقة على إنشاء 11 حزبا سياسيا وهم أقر القضاة  قيام 11 حزبا وهم : الناصرى -  الخضر  - التكافل - الإتحادى الديمقراطى -  العدالة الإجتماعية -  مصر الفتاة -  الشعب -  الجيل -  مصر 2000 -  شباب مصر .. ورغم أن القضاء قد أقر فى مطلع يناير 2007 بأحقية تلك الأحزاب فى ممارسة العمل السياسى ، لكن لجنة أحزاب النظام رفضت مرة أخرى فى 6 يناير 2007 ..
من الطبيعى – وتشكيل اللجنة بهذه الصورة السابقة الذكر – أن يكون جميع أعضاء هذه اللجنة من الحزب الوطنى ، إذن نستطيع القول أن القانون المذكور الذى أنشأ لجنة الأحزاب قد ساهم فى شل الحياة السياسية فى مصر ( راجع الحلقة الماضية للتعرف على تاريخ ضابط المخابرات صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى الحالى ورئيس لجنة الأحزاب  )
3-  قيود على الجمعيات الأهلية – وأهمها جمعيات حقوق الإنسان – لدفعها إلى الصمت :
نظم  القانون رقم 84 لسنة 2002 أعمال الجمعيات الأهلية بما يسمح للنظام من السيطرة على نشاطها ، وذلك من خلال سلسلة من القيود التالية : 
- يحظر القاون المذكور على المنظمات غير الحكومية أن تتلقى أموالاً من الخارج دون موافقة وزارة الشئون الإجتماعية .. 
- يشترط  القانون المذكور موافقة الوزارة السابقة على المرشحين لعضوية مجالس إدارة تلك المنظمات غير الحكومية ..
- يعطى القانون المذكور الحق للوزارة السابقة فى حل أو تجميد أى منظمة غير حكومية أو حتى مصادرة ممتلكاتها وبدون أمر قضائى ..
- يشترط القانون المذكور حصول تلك الجمعيات الأهلية على الموافقة الأمنية كى تتمكن من مزاولة عملها ..
النتيجة على الأرض هى شلل عمل تلك المنظمات وتدجينها ، أو توجيه التهم إلى مجلس إدارتها إذا رفض تنفيذ أوامر ضباط أمن الدولة ، ولعل التهم الباطلة التى وجهت إلى د. سعد الدين براهيم – رئيس مركز ابن خلدون للبحاث الإجتماعية -  ووضعه فى السجن عدة مرات هى خير دليل على ذلك ..
أما الجمعيات الأهلية التى تديرها سوزان مبارك مع ابنها المدلل المستكبر جمال مبارك ، فهى تتلقى عشرات الملايين من الدولارات كل عام دون أن يجرأ شخص من الأجهزة الرقابية العديدة أن يفتح فمه مطالبا بالدفاتر ، بينما يقف النظام متعسفا لأى مبلغ ولو ضئيل تتلقاه جمعيات حقوق الإنسان التى تدافع عن ضحايا الإنتهاكات التى يرتكبها مبارك وزمرته !! .
4- اختراق النقابات للحد من سيطرتها على الصندوق الإنتخابى  :
لا تقل الإنتهاكات التى مورست على النقابات المهنية عن سابقتيْها ، فقد صدر بحقها القانون رقم 100 لسنة 1993 والذى أطلق عليه اسم " قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية " ، ثم عدل بالقانون رقم 5 لسنة 1995 ..
لقد عطل هذا القانون أعرق النقابات المهنية وجرد مجالس إدارتها من حقوقهم فى تحديد مواعيد الإنتخابات وسلب إختصاص اللجان الفنية مثل لجنة القيد فى جداول النقابات ..
نذكر فى هذا الصدد أن الانتخابات معطلة منذ 15 عاما فى نقابتى الأطباء والمهندسين ، كما أن ما جرى من تدخل أمنى ودور سلطان الجزرة بين أعضاء نقابتى الصحفيين والمحامين فى انتخاباتهما الأخيرة منذ شهرين لهو خير دليل على تلك الإنتهاكات ..
5- شل الحياة الجامعية :
أنفرد ضباط أمن الدولة بالجامعة المصرية فى عهد مبارك  ، كما قامت قوات الأمن المركزى بالتواجد الدائم وبأعداد ضخمة وغير مبررة حول مداخلها لترهيب الطلبة .. لقد أصبح ضابط أمن الدولة من خلال تقاريره الأمنيه هو من يقرر ترقية أو نقل أو معاقبة أعضاء هيئة التدريس .. انتهت حرية الطالب فى اختيار من يرغب فى انتخابات الجامعة بعد أن يأس النظام الحاكم من فوز التيار الإسلامى فى تلك الإنتخابات ، كما سيطر النظام أيضا على انتخابات هيئات التدريس بالجامعات ، وإن كان بصورة أخف من مثيلتها الطلابية .. قامت النظام السياسى بتشجيع الإنحلال الأخلاقى – خاصة الزواج العربى - داخل أسوار الجامعة لدفع الطلبة بعيدا عن المطالبة بالحقوق السياسية ..
6- العبث بمواد الدستور لمصلحة مبارك ونسله :
يعتبر تغيير مواد الدستور خطا أحمر أمام كل طاغية فاسد ، يستطيع أى طاغية أن يتحايل ويزور ، لكن العبث بمواد الدستور لصالحه يعتبر من المحرمات ..
لم يجرأ  مبارك طوال فترة ربع قرن من حكمه على الإقتراب من الدستور ، فعل الكثير من التجاوزات وبقى الدستور فى مكانه .. لكنه أطلق رصاصة الرحمه على الذبيحة مصر فى 2007 كى يلامس بفجره وفحشه سقف المحرمات ، استعدادا لقدوم ابنه ليجلس بالمنصب الرئاسى .. لقد عبث بمواد الدستور ووضع فيها – بمساعدة زمرته الفاسدة من القانونيين - كل العراقيل التى يستحيل على أى مرشح من غير الحزب الوطنى أن يتجاوزها .. نستطيع أن نحدد تلك العراقيل في النقاط التالية :
* اشترطت المادة 76 - المعدلة فى 26 مارس 2007 - حصول المتنافس لرئاسة الجمهورية على موافقة 250 عضوا من أعضاء مجلس الشعب ومجلس الشورى والمجالس المحلية ، وهو شرط يستحيل تحقيقه لأى متنافس من غير الحزب الوطنى  ..
( تدخلت القوة الأمنية فى انتخابات مجلس الشعب فى أكتوبر / ديسمبر 2005 وحصرت عدد المعارضين للحزب الوطنى بـ 88 عضوا من إجمالى 444 عضو .. وتدخلت أيضا فى انتخابات مجلس الشورى فى يونيو 2007 وسمحت بوصول عضو واحد فقط – من حزب التجمع – من إجمالى أعضاء المجلس البالغ عددهم 88 عضوا .. كما تدخلت أيضا فى انتخابات المحليات بالمحافظات التى جرت فى أبريل 2008 ولم تسمح بنجاح أى معارض فى المجالس المذكورة والبالغ عدد أعضائها 52 ألف عضوا فى مختلف المحافظات وألقت القبض على الكثير من مرشحى المعارضة  قبل الإنتخابات )..
* أنشأت المادة 76 ما يسمى بـ " لجنة الإنتخابات الرئاسية " واشترطت على كل متقدم لتلك الإنتخابات الحصول على موافقة أعضائها .. تتكون تلك اللجنة من عشرة أعضاء ، رئيسها هو رئيس المحكمة الدستورية العليا ( الذى يعينه الرئيس ) وأعضاؤها يتم ترشيحهم من مكتب رئيسى مجلسى الشعب والشورى ( التابعين للحزب الوطنى من خلال القوة الأمنية كما أوضحنا ) ..
ولأن مستشارى المحكمة الدستورية العليا يعلمون حيل وألاعيب مبارك ، فقد قاموا فى يونيه 2009 بتقديم رجاء إليه بأن يكون رئيس  المحكمة الدستورية الجديد والقادم فى 1 يوليو من أحد أعضائها البالغين 16 عضوا  ..
الأعراف القضائية كانت على الأقل تصب فى هذا الإتجاه وكان مبارك – المستعد لما هو قادم من توريث - قد ضرب بها عرض الحائط قبل ذلك مرتين ، الأولى عندما عين المستشار ممدوح مرعى فى 2003 لرئاسة المحكمة الدستورية العليا رغم أنه لم يجلس يوماً علي كرسي مستشاريها ، ثم عينه وزيراً للعدل فى 2006 حيث يمارس مهامه الآن كأحد أشد الوزراء المؤيدين للتوريث ، وعين خلفاً له فى 2006 النائب العام المستشار ماهر عبد الواحد ولم يكن له أي تاريخ في المحكمة الدستورية العليا ..
خالف مبارك أيضا فى المرة الثالثة الأعراف القضائية بما عرف عنه من عناد تكسوه طبقة كثيفة من الغباء وعدم الرؤية ، فقد عين فى 1 يوليو 2009 المستشار فاروق سلطان رئيسا للمحكمة الدستورية العليا ، المستشار المذكور كان رئيسا لمحكمة جنوب القاهرة ولم يعمل ولو ليوم واحد فى المحكمة الدستورية العليا بل كان رئيسا لمحكمة جنوب القاهرة وبعيدا كل البعد عن هذا التخصص الجديد .. إن نظرة واحدة فى ملف هذا الرجل تقول أنه كان القاضى الذى أصدر قرار إغلاق نقابة المهندسين منذ 15 عاما ..
إذن يستطيع القارىء وبسهوله أن يستنتج أن لجنة الإنتخابات الرئاسية التى أنشأها مبارك فى المادة 76 - والتى يجب على المرشحين لرئاسة الجمهورية الحصول على موافقتها -  ما هى إلا نسخة طبق الأصل من لجنة الأحزاب التى سبق الحديث عنها !!
يقول الفقيه الدستورى الكبير د. يحيى الجمل بشأن تعديلات المادة 76 فى حديثه لصحيفة الشروق المستقلة فى عددها الصادر فى 6 يناير 2010 ما يلى :
"  أنا أطلقت عليها اسم الخطيئة الدستورية ، وقلت هذا الكلام فى مجلس الشعب، قلت لهم التاريخ هايحسبكم لأن من صاغ هذه الماده أهان مصر ، أهانه الله .. هذه المادة جاءت لتقول : لا أحد يستطيع أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية فى مصر إلا رئيس الحزب الوطنى أو من يختاره الحزب الوطنى ، أى تفسير آخر لهذه المادة هو نوع من العبث .. هذا شىء لا مثيل له فى العالم ، أنا عندى فى المكتبة كل دساتير العالم، لا توجد مادة بهذا الشكل .. المسألة ليست نصا أو بندا فى الدستور فقط ، وإنما هى الغاية من التشريع .. المشرع أراد تأكيد وتثبيت السلطة ، فى حين أن الأصل فى الدستور أن يقيد السلطة ويوسع مساحة الحرية .." .. 
* أبقى مبارك على المادة 77 والتى تسمح ببقاء الرئيس في السلطة مدى الحياة ( دون تحديد سقف زمني لمدد الرئاسة بمدتين ، وهو التحديد الذي كان محل إجماع القوى الوطنية ورغم ذلك تجاهلته التعديلات الدستورية الأخيرة ) ، وبذلك يصبح انتقال السلطة لمن يلى مبارك تأبيدا وتوريثا..
* نزعت تعديلات مبارك فى الدستور وتحديدا فى المادة 88 من القضاة حقهم الطبيعى فى الإشراف القضائى على العملية الإنتخابية .. لقد اتخذ مبارك وزمرته من ترزية القوانين هذا القرار بعد الوقفة النبيلة التى وقفها قضاة مصر فى انتخابات عام 2005 والتى أكدوا فيها تزوير الإنتخابات فى الدوائر التى أشرفوا عليها ، بل أصدروا كتابا أسود ذكروا فيه أسماء القضاة الذين شاركوا مبارك هذا التزوير..
لمع منذ ذلك التاريخ أسماء من قضاة مصر الشرفاء مثل المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادى قضاة مصر حينها والمستشار محمد الخضيرى نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادى قضاة الأسكندرية حينها والمستشار هشام البسطويسى نائب رئيس محكمة النقض حينها والمستشار محمود مكى نائب رئيس محكمة النقض حينها وشقيقه المستشار أحمد مكى نائب رئيس محمكة النقض حينها ، ومعهم المئات من مستشارى مصر الأطهار حيث يضيق المكان بذكرهم ..
جميعهم فضحوا النظام على الفضائيات وسوف يذكر التاريخ وقفتهم البطولية بجانب شعبهم فى محنته داخل هذا النفق المظلم .. لقد ضاق النظام ذرعا بهم وأصدر قرارا بالمحاكمة التأديبية لبعضهم ، وضيقت الخناق على آخرين لدفهم إما للإستقالة أو للإعارة لدول الخليج..
( تدخلت أجهزة مبارك الأمنية من وراء الستار للحصول لبعضهم على عقود عمل بالخليج ، الظريف أن تلك العقود تدفقت على  مستشار من قائمة الشرفاء لأنه أعلن عن نيته فى الترشح لرئاسة الجمهورية ، وقد قبل أحدها )  ..
7- حزمة انتهاكات الفرصة الأخيرة قبل الإنتخابات :
وهى سلسلة من الإجراءات التى يتخذها مبارك قبل وأثناء العملية الإنتخابية ويهدف بها فرض المزيد من السيطرة على العملية الإنتخابية .. هى أجراءات أصبحت على أية حال معروفة للمواطن المصرى بسيط الثقافة بسبب تكراراها الدائم فى كل انتخابات مبارك ، ونذكرها كما يلى :
- التعسف الذى تبديه وزارة الداخلية عندما يذهب المواطن إليها لطلب استخراج البطاقة الإنتخابية ..
- لعبة الجداول الإنتخابية وتتم بطريقتين : الأولى من خلال عدم حذف أسماء الأموات منها ومن ثم إضافتهم إلى مؤيدى الحزب الوطنى ، الثانية من خلال نزع أسماء المعروفين من المؤيدين للتيارات المنافسه – خاصة التيار الدينى بسبب ظهوره الواضح من خلال اللحية أو الحجاب - من جداول دوائراهم ووضعها فى دوائر إنتخابية بعيدة عنهم ودون إخبارهم حتى لا يتمكنون من الإنتخاب ..
- تدخل سلطان المال لشراء أصوات الشعب الذى ضربه الجوع ، ولعل القارىء يذكر نائب الحزب الوطنى الذى وقف فى الجولة الثانية من انتخابات 2005 وقال " أنفقت فى الجولة الأولى 25 مليون جنيها وسوف أنفق أكثر فى الجولتين الثانية والثالثة "
- استخدام قوات الأمن المركزى فى محاصرة الدوائر الإنتخابية ومنع المواطنين من الإدلاء بأصواتهم ، وقد وصل الأمر فى انتخابات 2005 إلى إطلاق الرصاص الحى على المواطنين وقتل العديد منهم ..
- استخدام أصحاب السوابق الإجرامية والذين يحملون السيوف والسلاسل الحديدية فى ترهيب المواطنين وإبعادهم عن الدوائر الإنتخابية حتى لا يختار الشعب - الناقم على القيادة السياسية – ممثليه ..
- تزوير الإنتخابات من خلال صناديق انتخابية جاهزة لهذا الغرض ..
تقارير المنظمات الحقوقية الدولية عن مبارك :
نختم هذه الحلقة ببعض ما أوردته المنظمات الدولية التى تراقب حالة حقوق الإنسان حول العالم ونذكر بعضها فيما يخص الحالة المصرية ، كما يلى :
- فى التقرير السنوى لمنظمة فريدوم هاوس عن عام 2006 وضعت المنظمة مصر ضمن ذيل قائمة تقريرها السنوى ، عللت المنظمة المذكورة ذلك بوجود أكثر من عشرين ألف سجين سياسى فى السجون المصرية موزعين على 51 سجن ومعتقل ، والكثير منها فى الصحراء ومضى على الكثير منهم ما يقرب من عقدين من الزمان دون الإفراج عنهم ، رغم حصولهم على قرارات إفراج من المحاكم وصلت فى بعض الحالات إلى مائة حكم مع إصرار وزارة داخلية النظام على عدم تنفيذ قرارات تلك المحاكم ..
-  وضعت منظمة مراسلون بلا حدود الدولية مصر فى المرتبة 133 فى حرية الصحافة من إجمالى 169 دولة فى الترتيب السنوى لحرية الصحافة والذى وضعته لعام 2006 ..
- فى 17 يناير 2007 أكدت المؤسسة السابقة فى تقرير لها عن حالة حقوق الإنسان فى العالم أن مصر شهدت إنتكاسة فى الحريات السياسية والعامة ، أضافت المؤسسة أن أهم أسباب الركود السياسى هى رفض النظم الحاكمة العربية توسيع نطاق المشاركة السياسية فى صنع القرار ، وصرح مدير مكتبها فى منطقة الشرق الأوسط - إريك بادينجتون - أن منطقة الشرق الأوسط هى الأكثر قمعا عالميا ..
- وضعت صحيفة الإيكونومست مصر فى المرتبة 115 من بين 167 دولة فيما يخص مؤشرات الديمقراطية فى تقرير العالم الذى أصدرته فى عام 2007 ..
- أصدر البرلمان الأوربى – 27 دولة أوربية - فى 16 يناير 2008 قرارا يدين فيه إنتهاكات حقوق الإنسان فى مصر وهدد بقطع المساعدات فى حالة عدم توقف تلك الإنتهاكات ..
- فى تقريرها السنوى عن أوضاع حقوق الإنسان حول العالم أصدرت منظمة هيومان رايتس واتش تقريرها لعام 2007 فى 30 فبراير 2008  ،  أدانت المنظمة فيه مصر بسبب تصعيدها الملاحقات السياسية لكل من المعارضة ومنظمات المجتمع المدنى والصحفيين ..
- ذكرت منظمة العفو الدولية من مقرها فى لندن فى تقريرها الصادر فى 29 مايو 2008 أن التعديلات الدستورية التى قام بها نظام مبارك فى العام 2007 هى أخطر إنتكاسة لحقوق الإنسان فى مصر منذ فرض قانون الطوارىء ..
- فى دراسة أمريكية أجرتها جامعة واشنطن تحت عنوان " اعتقال المدونين وحرية التعبير على شبكة الإنترنت " ونشرت نتائجها صحيفة واشنطن بوست فى 19 يونيه 2008 أكدت الجامعة المذكورة أن مصر هى أسوأ دول العالم انتهاكا لحريات المدونين فى عام 2007 ( الأولى مصر باعتقال 14 مدونا ثم الصين باعتقال 12 مدونا ) وتوقعت الدراسة إزدياد عدد المعتقلين فى مصر فى عام 2008 ..
- أصدرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان فى 18 يونيه 2008 تقريرها السنوى حول حقوق الإنسان فى العالم ، عن مصر ذكرت أن عام 2007 هو عام التغيير الدستورى القمعى حيث جرى تعديل 34 من مواد الدستور ..
- فى تقريرها السنوى الصادر فى 12 يناير 2009 والذى يتناول أوضاع حقوق الإنسان حول العالم فى عام 2008 ،  ذكرت منظمة فريدوم هاوس في أن مصر ليست " غير حرة " لإعتمادها على انتخابات غير ديمقراطية وأنها من بين الدول " الأكثر عنفا " فى التعامل مع أحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المستقلة ..
فى الحلقة القادمة – إن شاء الله – سنفتح ملفا آخر من ملفات حكم مبارك ، فإلى اللقاء ..
رائف الويشى
سانت لويس – ميزورى – أمريكا
elwisheer@yahoo.com
www.liberty4egypt.blogspot.com

الملف الإجتماعى للمصريين فى عهد مبارك ( 6 – 9 )

نواصل فتح ملفات عهد مبارك من خلال دراسة أعددناها مكونة من تسع حلقات بعنوان " من فقه التوريث : هل يستقيم الظل والعود أعوج ؟! " ..
تحدثنا فى الحلقة الأولى عن نهب أراضى مصر ، فى الحلقة الثانية تحدثنا عن سرقة القطاع العام من خلال بيعه بثمن بخس لصالح " واجهات " تدور فى فلك مبارك وعائلته ، فى الحلقة الثالثة تحدثنا عن ملف صحة المصريين خلال العقود الثلاثة الماضية ، وهو ملف كارثى بكل ما تحمل الكلمة من معانى لأن خطورته تكمن فى أن صحة المواطن هى الضلع الأول فى الأمن القومى للدول ، فى الحلقة الرابعة تكلمنا عن التعليم – وهو الضلع الثانى للأمن القومى للدول – فى عهد مبارك  ، وأوردنا تقارير المتخصصين التى تؤكد انهيار التعليم وفساده فى عهده ، فى الحلقة الخامسة تكلمنا عن الملف الزراعى لمصر فى عهده والذى ينذر بثورة للخبز .. سنفتح اليوم الملف السادس وهو الملف الإجتماعى  للمصريين فى عهد مبارك ..
أجرت المؤسسة الأمريكية المرموقة فى مجالات البحث " بينو" استطلاعا حول حالات رضا بعض الشعوب عن مستقبل حياتها وذلك فى الفترة 24 مايو حتى 11 يونية 2009 .. لقد جرى الاستطلاع فى 25 دولة فى قارات الدنيا ومنهم مصر وشارك فيه 26 ألف شخص وكان ضمنهم ألف مصرى ..
الصدمة الكبرى أن المصريين قد احتلوا المركز الأول فى قائمة الشعوب الغير راضية عن مستقبل حياتها ، بينما احتل الهنود المركز الأول فى قائمة الشعوب الراضية عن مستقبل حياتها ..
يستدعى هذا الاستطلاع الهام منا أن نحاول الوقوف على الأسباب التى جعلت المصريين يقفون فى طليعة شعوب العالم الغير راضية عن مستقبلها .. إن أخطر أسلحة الدمار الشامل بين الدول هو سلب الأمل من وجدان الشعب وترسيخ اليأس فى النفوس ..
سنفتح اليوم الملف الإجتماعى للمصريين فى عهد مبارك ، مدركين أنه مع الملفات الأخرى التى أفسدها النظام قد شاركت جميعها فى ترسيخ سياسة اليأس فى نفوس الشعب المصرى ، وقد مثل استطلاع مؤسسة " بينو " النتيجة المتوقعة لحكم مبارك ..
* عن المبادئ والقيم بين الناس فى عهد مبارك :
كانت مصر وحتى بداية عهده تتحلى بالكثير منها ، والآن تفشت بين الناس الأمراض السلوكية الناشئة عن الفقر وفقدان الهدف القومى ، وهى أمراض خبيثة لأنها لا ترى بالعين المجردة كونها كامنة فى النفوس ، مثل النصب والاحتيال والتحرش الجنسى والاغتصاب والمخدرات والبلطجة والدعارة والعنوسة ( 9 مليون حالة ) والزواج العرفى الذى تتعمد السلطة نشره بين أفراد الشعب وبخاصة شباب الجامعات لدفعهم بعيدا عن مواجهتها ، وانتشار المخدرات لإبعاد الشعب عن المطالبة بحقوقه ..
أما أم الجرائم والتى تنفرد مصر من دون دول العالم بها فهما - من وجهة نظرى - جريمتان : الأولى هى سرقة الأعضاء البشرية السليمة للمرضى وبخاصة الكبد والكلية أثناء علاجهم فى بعض المستشفيات والعيادات الخاصة وبيعها للراغبين ، والثانية هى سرقة رؤوس الموتى من المقابر لبيعها إلى مدمنى المخدرات والذين يقومون بطحنها مع المادة المخدرة  ..
* عن الطلاق فى عهد مبارك :
من الثابت أن نسبة الطلاق كان فى بداية عهده بحدود 3 % طبقا لأرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء ، وقد وصل الرقم فى تقرير للجهاز المذكور صدر فى عام 2006 إلى 40 % نتج عنه 8 مليون طفل وكذلك  2.5 مليون مطلقة يعيشون حياة يسودها الاضطراب والقلق ، كما ذكر التقرير أن 42 % من تلك الحالات تعود أسبابها إلى الفقر وعدم القدرة على الإنفاق على بيت الزوجية .. 
نذكر فى هذا الصدد ما ذكره د. عبد السلام الشيخ رئيس قسم علم النفس بكلية الآداب بجامعة طنطا فى 5  نوفمبر 2008 ومفاده أن عام 2007 قد شهد 567 ألف حالة طلاق فى مقابل 48 ألف حالة زواج ( يتذكر المواطن المصرى الطاغية الفاسد عندما قال موجها حديثه للشعب وبلا حياء " أوكلكم منين ، بطلوا تخلفوا " ) ..
* عن القوة الناعمة لمصر فى عهد مبارك :
من الواضح للعيان التفسخ الذى أصابها .. لنأخذ ركنا هاما فيها وهو الفن ونناقشه ، يدلنى متخصص فى هذا المجال عن حالة واحدة للفن الرفيع فى عهد هذا الدكتاتور الفاسد ، أمام عشرات – وربما مئات – الحالات التى ترعرعت فى عهده والتى تسبب تلوثا سمعيا أو بصريا للمواطن فى الليل والنهار ..
غنى عن البيان إلتصاق الفن بالقيادة السياسية فى أى دولة من دول العالم ، لقد اجتمع بوش من مخرجى هوليود فى أعقاب ضربات سبتمبر 2001 وطالبهم بضرورة النزول إلى الشارع بأعمالهم ، كما يذكر المواطن المصرى الصلح الذى قاده الرئيس عبد الناصر بين عملاقين من عمالقة الفن المصرى الرفيع فى ستينات القرن الماضى وهما السيدة أم كلثوم الموسيقار عبد الوهاب ، وقد ظهرت نتائج هذا الصلح فى تحفة فنية وهى أنت عمرى ، كما يذكر فنانوا مصر المتخصصين التوبيخ الذى تلقاه رسام الكاريكاتير البهجورى من عبد الناصر شخصيا وفورا عندما رسم كاريكاتير لسيدة تخبأ رجلا فى دولاب الملابس عندما طرق زوجها باب الشقة ، وأخبره بأن نساء مصر لا يسلكون هذا المسلك ..
نأخذ بعض الأمثلة من ذيل قائمة الفن الرفيع قبل مجىء هذا الطاغية الفاسد : أوبريت الليلة الكبيرة ، يا حبيبى ياخويا ، الوطن الأكبر  ، شباكنا ستايره حرير .. هى تحف فنية صغيرة إذا ما قورنت بالتحف الفنية الكبيرة فى صدر القائمة والتى ساهم الموسيقار رياض السنباطى بالكثير منها مثل مصر تتحدث عن نفسها  وعلى باب مصر ..
الفن هو ترومتر المجتمع ، أى مجتمع .. يعلو فى إبداعه فى حاله وضوح الهدف القومى لدى القيادة السياسية والتى تتميز بعفة اللسان واليد فتنقله بدورها إلى الشعب ، ويهبط إلى الحضيض والضياع والإسفاف فى حالة فساد وطغيان تلك القيادة ..
لقد أغلق مبارك وزارتين من أخطر الوزرات فى مصر - وهما وزارة الأعلام ووزارة الثقافة - على شخصين من أسوأ مواطنى مصر ولمدة ربع قرن ، وقد ساهم كل منهما وبشكل أساسى فى هدم أسس الفن الرفيع فى مصر ..
- أما الأول فهو صفوت الشريف الذى تولى وزارة الإعلام ، فقد كان ضابطا برتبة مقدم فى المخابرات العامة فى ستينات القرن الماضى وكان اسمه الحركى " موافى "  .. كان صفوت يتولى مع صلاح نصر الإيقاع بالنساء بتصويرهن فى أوضاع مخلة ومن ثم استغلالهم جنسيا ، وقد طرد من الخدمة فى أعقاب التحقيق معه فى قضية الآداب الكبرى فى أعقاب نكسة 1967 ..
كانت المغدورة تدين بالولاء لعبد الناصر الذى انقذها من براثن عصابة قذرة سيطرت على أجهزة الحكم وتسببت فى هزيمة نكراء ، إنها تشبه إلى حد بعيد فى ولائها اعتماد خورشيد التى فاجأت عبد الناصر بما كان يحدث لها ولمصر من خلفه ، وقد أوضح كتابها بجلاء ما كان يجرى من صراع فى مصر قبل النكسة ..
لقد سجلت المغدورة بصوتها فى هيئة الإذاعة البريطانية أثناء وجودها فى لندن مرثية صلاح جاهين " وقف الشريط " والتى كتبها فى رحيل عبد الناصر ، وقد أعادت فيها التأكيد على ولائها لأسد مصر الجريح ، الذى قتله أقرب مساعديه بالسم !!..
وقف الشريط فى وضع ثابت
دلوقتى نقدر نفحص المنظر
ما فيش ولاتفصيله غابت
وكل شىء بيقول وبيعبر
من غير كلام ولا صوت
أول ما ضغط الموت
على زر فى الملكوت
بخفة وبجبروت
فى يوم أغبر
وقف الشريط فى وضع ثابت
لكن الملاحظ أن " موافى " قد عاد لممارسة سلوكياته المنحطة فى النصف الأول من ثمانينات القرن الماضى وذلك بعد أن عينه مبارك وزيرا للإعلام .. الملاحظ أيضا أن ذلك كان مع نفس الضحية ، ثم تخلصوا منها فى لندن بعد أن تبين لهم أنها تكتب مذكراتها ووصلت فيها إلى الفصل الثالث..
لقد انتقمت بعض أجهزة المخابرات المصرية من مقتل ضحية لندن فقام بعض أفرادها الأبرار بنشر ملفات التحقيق التى أجرتها النيابة العامة فى ستينات القرن الماضى مع المدعو " موافى " على شبكة الإنترنت ..
( صرح الشاعر أحمد فؤاد نجم لفضائية لبنانية فى صيف 2006 أنه أجرى اتصالا تلفونيا مع المغدورة قبل ثلاثة أيام من اغتيالها وأكدت له عزمها على المضى قدما فى كشف الحقيقة بكتابة ما حدث لها وللكثير من نساء مصر ، وأضاف  الشاعر نجم أنه حذر المغدورة من أن الصحفى المصرى الذى يصيغ لها المذكرات فى لندن يعمل لصالح صفوت الشريف وناشدها الشاعر نجم أن تتوخى الحذر ، لكنها قتلت بعد أيام واختفت الفصول الثلاثة من مذكراتها ..
التقيت مع الشاعر نجم فى منزله فى نفس العام المذكور وأخبرنى بإسم الصحفى وبأنه – أى نجم - سدد ديونا للمغدورة كانت مدينة بها للبقال المجاور لمنزلها فى حى الزمالك ، وأضاف بمعلومات أخرى سببت لى صدمة كبيرة  ) ..
لقد قتلت الضحية ثلاث مرات فى ثلاثة عقود ، كانت الأولى فى 1964 عندما استغلها صفوت الشريف جسديا لصالح عدة جهات خارج وداخل مصر ، وكانت الثانية فى عامى 1983/ 1984 عندما أجبرها صفوت الشريف على تلبية رغبات سيد القصر ، أما الثالثة فكانت فى لندن بالإجهاز عليها قتلا بعد أن تأكدوا أنها بدأت بالفعل فى كتابة حقيقة الظلم الذى تعرضت له ..
لم تكن المغدورة وحدها ضمن قائمة سيد القصر ، كان هناك أخريات من الفنانات وكان بعضهن يحملن جنسيات غير مصرية .. تنقسم القائمة إلى ثلاثة أصناف ، هناك الصنف الذى استسلم لرغبات سيد القصر خوفا من قطع الأرزاق والتهديد بالحرق بماء النار ، وهناك الثانى الذى لجأ إلى الحجاب كحيلة للخروج من المأزق ، وهناك الثالث الذى قاوم غير عابىء بأذى جسدى أو بتلفيق التهم الباطلة لهن بالدعارة وكان منهن الفنانة ح . ت والفنانة و .ع ..
تنتمى المغدورة إلى الصنف الأول ، لكنها قررت أن تنتقم من سيد القصر – صاحب الرغبات الشاذة – بقول الحقيقة ، لم تكن تصدق أن حاميها حراميها ، كانت تظن أن سيد القصر ما زال هناك يصد عن مواطنيه الأذى إذا علم به ، كانت تظن أن سيد القصر لديه من القضايا ما يجعله لا ينظر إلى تلك التفاهات ..
صدمتها رغبات السيد الجديد للقصر ، حاولت أن تقاوم لكن ضعفها انتصر عليها ، ثم دخلت فى نوبات متواصلة من العناد والرفض .. صدر الأمر من سيد القصر بقطع رزقها ، قاومت .. صدر أمر آخر منه بالنفى خارج البلاد ، دام ذلك لأكثر من عقد من الزمان ووصلت فيه إلى مرحلة " تسولت " فيها طعام يومها .. قررت الإنتقام بكتابة ما فعله سيد القصر وصفوت الشريف ..
جاء قرار سيد القصر بضرورة الخلاص من صداعها ، ونفذه أحد أفراد الحماية الخاصة له ، وقد اتضح فى يوليو 2008 أنه متخصص فى تلك النوعيات من العمليات ، لكن " الشاطر " وقع فى عمليته الأخيرة والتى كانت فى دولة خليجية لأن شيوخ تلك الدولة أصروا على أن يأخذ القانون مجراه وإلا سحبوا جميع استثمارات دولتهم – البالغة 20 مليار دولار – من مصر   ..
- أما الثانى فهو فاروق حسنى والذى يتولى وزارة الثقافة حتى هذه اللحظات ، وربما لا أضيف جديدا إذا تكلمت عن هذا " الشخص "  لأن سيرته أصبحت محفوظة عن ظهر قلب حتى لتلاميذ المدارس ..
لقد اقتلع إذن نظام مبارك الإبداع من مصر ، ومعه اقتلع أشياء أخرى غالية كانت من معالم الإنسان المصرى على مر التاريخ ، كما تبين هذه الدراسة ..
كان هدف مبارك من وراء ذلك هو تحقيق سياسة الإشغال لدى الناس بنشر ثقافة التسطيح والسفه والدعارة والمخدرات بين أفراده ، كى يتركوا له البلاد يتصرف بها كما يشاء.. !
* عن الشباب فى عهد مبارك :
كان لدى الشباب فى بداية عهده بعض الثقة فى مستقبل مصر ، شيئا فشيئا أغلقت فرص العمل فى وجه شباب مصر باستثناء القادرين منهم فقط ومن لهم وسائط وذلك على النحو التالى :
- هناك الكليات العسكرية التى أصبح لها تعريفة محددة يدفعها المتقدم إلى جهة ما على صلة بشخصية ما بالدولة تقف وراء الستار ، وقد وجدت تلك التعريفة طريقها فى الكثير من وضائف الدولة ..
- هناك وزارات حصرت الوظائف فيها على أقارب العاملين بها فقط مثل وزارات الكهرباء والاتصالات والبترول والإذاعة والتليفزيون ( تابعة لوزارة الإعلام ) والسلك القضائى التابع للعدل ( شرط المناصرة للحزب الوطنى ) ..
- التزمت جميع وظائف الدولة باستبعاد كل من لهم فكر دينى ، خاصة لو ترجمه صاحبه إلى صورة علنية مثل إطلاق الحية ..
الكثير منا يذكر الشاب عبد الحميد شتا الذى كان أول دفعته فى الاقتصاد والعلوم السياسية وتقدم لامتحان وزارة الخارجية فى عام 2005 ورسب لأن المستوى الإجتماعى لأسرته لا يتناسب مع الوظيفة المعلنة فانتحر الشاب المسكين ، وما حدث لعبد الحميد حدث للشاب إسماعيل منصور الذى كان أول دفعته فى كلية الحقوق واستبعدوه فى عام 2007 من السلك القضائى لأن والده فلاح وعينوا مكانه أبن أحد المستشارين الدائرين فى فلك الحزب الوطنى رغم حصوله على 65 % فى تقديره العام !! ..
كما تظاهر فى  14 ديسمبر 2008  أكثر من عشرين من أوئل الخريجين من دفعة 2006 من كليتى الشريعة والقانون فى جامعات الأزهر وعين شمس وبنى سويف وأسيوط أمام مبنى وزارة العدل وأعلنوا عن إضرابهم عن الطعام واعتصامهم بسبب رفض وزير العدل للمرة الثانية فى أسبوع واحد اللقاء بهم ، خرج مساعد وزير العدل المستشار أسامة عطية وقال لهم " أعملكم إيه ؟ ، وأنا مالى ! " ..
لقد ضرب نظام مبارك - بغلقه الوظائف على القادرين والمناصرين له فقط - أسس المواطنة فى الصميم ، وهو ما دفع شباب مصر إلى الهرب منها فى قوارب الموت بعد أن تأكد لهم أن مصر قد نُهبت ، وكثيرا ما تعثر السلطات الليبية على جثث عائمة لمصريين غرقوا فى البحر بعد أن باعوا الغالى والثمين واستدانوا من أجل الهروب من مصر ..
لكننا نعتقد أن أم المصائب فى هذا الشأن تكمن فى توجه الكثير من شباب مصر إلى إسرائيل عن طريق دولة وسيطة ، ففى عام 2000 أصدرت وزيرة الشئون الاجتماعية أمينة الجندى بيانا ذكرت فيه أن عدد المصريين المتواجدين فى إسرائيل قد وصل إلى سبعة عشر ألف مصرى ، وفى ديسمبر 2007 كانت استجوابات مجلس الشعب تتحدث عن تواجود 22  ألف مصرى فى إسرائيل ، علما أن الكثير منهم تزوج من إسرائيليات ويعمل فى صفوف الجيش الإسرائيلى وأجهزته الإستخبارية ..
وقد أكد تقرير للبنك الدولى صادر فى 1 أغسطس 2008 أن إسرائيل تقع ضمن قائمة أكبر عشر دول يهاجر إليه المصريون !! ( إجمالى العاملين المصريين فى الخارج طبقا لإحصاء 2005 يبلغ 2.4 مليون ) ..
الملفت للنظر أن إسرائيل تقدم كل العون إلى المصريين المتجهين إليها دون غيرهم من الجنسيات ، فمن نسلهم ستكون هناك قوات مسلحة تحمى حدودها مع العرب .. إن انتشار البدو والدروز فى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية – خاصة فى الاستخبارات والقوات الخاصة -  يؤكد ذلك السيناريو ..
لعل القارئ يتذكر أن قوات المستعربين التى تصطاد المقاومين الفلسطينيين كلها عربية فى المظهر واللغة ، وقد عانت مصر منهم كثيرا أثناء فترة الاستنزاف حيث كانوا يهبطون بالهليوكيبتر وراء خطوطنا ويصنعون نقاط تفتيش مزيفة للشرطة العسكرية المصرية ويقومون بأسر القادة الميدانيين ونقلهم إلى إسرائيل ..
إن الإبقاء على جهاز الإعلام – وهو جهاز خطير بسبب دخوله إجباريا كل المنازل - فى يد ضابط مخابرات ساقط أخلاقيا مثل صفوت الشريف ولمدة ربع قرن قد هدم الكثير من الأسس الأخلاقية التى كان يتميز بها الشعب المصرى ، أنه أشبه بإجبار المصلين فى مسجد ما بالصلاة وراء رجل يرتكب الفواحش ..
إننا هنا نضع أمام القارئ ثلاثة أبحاث من مراكز متخصصة تبين مستوى التفكك الذى وصلت إليه الأسرة المصرية والذى يقف جهاز الإعلام فى المقام الأول وبتخطيط مسبق من ورائه :
البحث الأول : ويتحدث عن أثر الإعلام الهابط على تدمير القيم بالمجتمع المصرى :
صدرت دراسة عن مركز المرأة فى أبريل 2006 حول أثر الأفلام والمسلسلات التليفزيونية على التفكك الأسرى ، فقد بينت تلك الدراسة أن 48 مسلسلا تليفزيونيا و 15 فيلما يقفون وراء 33.5 % من حالات الخيانة الزوجية ، كما أقر 43 % من أفراد عينة البحث أن المشاهد العاطفية الغير مشروعة كانت الدافع الأساسى للوقوع فى المحظور ، وأشار 89.3 % من أفراد عينة البحث أن الأفلام والمسلسلات تحرض الزوجات على التمرد ..
وفى دراسة للدكتورة عزة كريمة – الرئيس السابق للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية – صدرت فى أغسطس 2008 أكدت أن فتيات الكليبات والفضائيات يقفن وراء 70 ألف حالة طلاق سنويا فى مصر بسبب دفع الأزواج إلى الهروب إلى فتاة الإعلانات للبحث عن نوع جديد من المتعة الجنسية وهو ما يدفع الزوجة إلى الشعور بالظلم والإهانة والتقدم فى النهاية بطلب الطلاق أو الخلع .. كما تؤكد د. عزة فى بحثها أن الآثار الاجتماعية المدمرة لفتيات الكليبات والإعلانات لم تقتصر فقط على المجتمع المصرى بل امتدت إلى البلاد العربية الأخرى ..
كما وصلت جرائم الاغتصاب بمصر إلى أرقام لم يكن يتصورها أسوأ المتشائمين ، فأرقام وزارة الداخلية التى نشرتها شبكة الأنباء الإنسانية " إيرين " فى فبراير 2008 تشير إلى 20 ألف حالة فى عام 2007 ..
أما المتخصصون المستقلون فإنهم يؤكدون أن الأرقام الحقيقية تزيد عدة مرات عن الرقم المذكور ويرجعون ذلك إلى سببين ، الأول هو عدم صدقية أرقام وزارة الداخلية لأن وظيفتها الأولى هى حماية النظام وإخفاء عوراته ، أما الثانى فهو خوف الضحية من الإبلاغ إما بسبب العار التى سيلازمها وإما بسبب الخوف على حياتها من أقاربها ..
لقد أوضح استجواب فى 19 فبراير 2008 من ثلاثة من نواب مجلس الشعب – محسن راضى وعلى لبن وعبد الوهاب الديب - إلى وزير التعليم هانى هلال تزايد حالات الزواج العرفى بين الطلبة والطالبات والتى وصلت إلى 255 ألف حالة نتج عنها 14 ألف طفل مجهول النسب ..
وقد أشار النواب المذكورون إلى ما كشفه التقرير الحكومى الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء من أن حالات الزواج العرفى فى مصر قد وصلت إلى 3 ملايين حالة ، كما أكدوا أن عدم التزام إدارات الجامعات بالقيم والتقاليد الجامعية تعد أحد أهم الأسباب وراء تفشى تلك الظاهرة ..
البحث الثانى : يتناول انتشار المخدرات بالمجتمع المصرى :
صدرت دراسة فى عام 2006 عن معهد التخطيط القومى بعنوان " الآثار الاقتصادية والاجتماعية للإنفاق على المخدرات" ،  أوضحت أن المصريين أنفقوا على المخدرات فى العام 2005 ما قيمته 16.3 مليار جنيها وهو رقم يفوق بثلاثة أضعاف حجم الصادرات المصرية عن نفس الفترة ، كما يفوق دخل السياحة عن نفس الفترة ..
كما كشف بحث آخر فى 16 يوليو 2007 صادر عن الجهاز المركزى للإحصاء يبين أن أرقام المخدرات فى مصر عن عام 2007 قد بلغت 18.2 مليار جنيه ، والقيمة المذكورة – كما وصف المصدر – تعادل 79.5% من دخل قناة السويس عن نفس العام ، وتعادل  46.9 % من تحويلات المصريين العاملين فى الخارج عن نفس العام ، وتعادل ثلث عائدات البترول عن نفس ، وتعادل 109 % من عائد الاستثمار عن نفس العام .. وقد قدرت مصادر أخرى حجم  ما أنفقه المصريون على المخدرات فى عام 2007 بـ 29 مليار جنيه ..
كما أصدرت الأمم المتحدة  فى 1 أكتوبر 2007 دراسة تؤكد أن أكثر من 6 مليون مصرى -  8.5 % من نسبة السكان – مدمنون على المخدرات .. لقد وصلت نسبة التعاطى – طبقا للمصدر المذكور - بين طالبات المدارس إلى 50 % وبين تلاميذ الإعدادى إلى 36 % ..
يعقب على دراسة الأمم المتحدة المذكورة عالم الإجتماع المعروف د. أحمد المجدوب فى لقاء مع فضائية الجزيرة فى تاريخ 4 أكتوبر 2007 بقوله " إن الحكومة المصرية هى المستفيدة الوحيدة من إنتشار تعاطى المخدرات بين أفراد الشعب لأنها تدفعه لذلك حتى يبتعد عن إبداء رأيه فيما يحدث فى مصر " ..
كما تعقب د. سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس على تلك النتائج فتقول " أن سبب تعاطى المخدرات عند الشباب يرجع إلى البطالة وحالة الإحباط العام المسيطرة على الجميع والتضييق الأمنى " ..
وتعكس أرقام دار الإفتاء المصرية عن حالات الإعدام فى عام 2009 المستوى الإجتماعى الذى وصل إليه المصريون فى عهد مبارك .. ففى 22 ديسمبر 2009 أصدرت دار الإفتاء المصرية إحصاءً لقضايا الإعدام التى عُرِضَت عليها فى العام 2009 ، وقد بلغ عددها 160 حكماً تم تنفيذه ، وتنوعت بين القتل والاغتصاب وجلب المخدرات ..
البحث الثالث : يتناول أعداد المنتحرين فى مصر كنتيجة للتفكك الأسرى وانتشار الفقر :
صدر بحث فى عام 2006 عن مركز السموم التابع لجامعة عين شمس ويذكر أن عدد المنتحرين قد وصل إلى 11 ألف حالة فى عام 2005  ، ويؤكد المركز المذكور بأنه ليس لديه إحصاء شامل على المستوى القومى لأعداد المنتحرين ..
وتقول أ.د عزة كريم فى حديث لصحيفة الفجر المستقلة الصادرة بتاريخ 21 ديسمبر 2009 أن الأجهزة الحكومية تخفي الأرقام الحقيقية لأعداد المنتحرين المسجلة في تقارير جهاز الأمن العام في وزارة الداخلية ، بينما لم تبحث المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة هذه الظاهرة ..
يكمن السبب وراء ذلك - حسب د.عزة كريم - أن أعداد المنتحرين قد ارتفعت بنسبة كبيرة جداً خلال السنوات القليلة الماضية ، وتؤكد د. عزة كريم أن المركز القومي للبحوث الجنائية المختص ببحث مثل هذه الظواهر لم يجر أي إحصاء حول أعداد المنتحرين ، ولم يبحث بالتالي أسباب هذه الظاهرة ولا توجد في خطته حتي الآن أي اتجاه لتناول هذا الأمر ..
المفاجأة التي تؤكدها عزة كريم فى عدد الصحيفة المذكور أن الأرقام الحقيقية لأعداد المنتحرين تعلمها أجهزة الأمن وبعض المؤسسات الأخرى المتخصصة ، لكنهم جميعا – والكلام ما زال لها - يتعاملون مع تلك الأرقام باعتبارها " سري جدا "..
ويتحدث أحمد حمدى أستاذ علم الاجتماع وفى نفس عدد الصحيفة المذكور عن ظاهرة الانتحار الجماعى التى انتشرت الآن فى مصر ويقول " إن الانتحار لم يعد أمراً فردياً ولكنه يتطور الي سلوك جماعي خلال السنوات القليلة الماضية التي ارتفعت فيها أعداد المنتحرين ، فهناك أباء لا ينتحرون بمفردهم ، ولكنهم يقتلون قبل شروعهم في الانتحار بقية أفراد الأسرة ، ربما لأن الأب يعلم جيدا أن هروبه بالموت لن يحل مشاكل الأسرة ولكن الموت هو الحل النهائي " ..
يضيف د. أحمد حمدى قائلا " إن مجموعة من طلبة كلية الخدمة الاجتماعية رصدت في بحث استقصائي حول حالات الانتحار الجماعي ، أنه من بين كل 10 حالات انتحار توجد حالتان علي الأقل للانتحار الجماعي ، حيث يفضل الأب الذي يرغب في الانتحار الموت مع زوجته وأبنائه فيقوم بقتلهم او حرقهم فجأة ، في حين توجد عائلات أخري قد انتحرت بالفعل بموافقة جميع أفرادها " ..
فى الحلقة القادمة – إن شاء الله – سنفتح ملفا آخر من ملفات حكم مبارك ، فإلى اللقاء ..
رائف الويشى
سانت لويس – ميزورى – أمريكا
elwisheer@yahoo.com
www.liberty4egypt.blogspot.com
 

Most Reading

Sidebar One